الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧١
وعلى هذا البيان فالدقة راجعة إلى سلوك طريق إصلاح العقل النظري والحِدّة راجعة إلى سلوك طريق إصلاح العقل العملي. وما في الآخرة تجسد للصراط الدنيوي في الدقة والحدة، و لا حقيقة له إلاّ ما كان للإنسان في هذه الدنيا.
٤ـ إنّ للإيمان واليقين درجات كما أنّ للقيام بالوظائف العملية مراتب، فللناس في سلوك الصرا ط منازل ودرجات. فهم بين مخلص لله سبحانه في دينه، لا يرى شيئاً إلاّ ويرى الله قبله، وبين مقصّر في إعمال القوى النظرية والعملية، كما أنّ بينهما مراتب متوسطة، فالكل يسلك الصراط في النشأة الأُخرى، في السرعة والبطء، حسب شدّة سلوكه للصراط الدنيوي ولأجل ذلك تضافرت روايات عن الفريقين باختلاف مرور الناس، حسب اختلافهم في سلوك صراط الدنيا، قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «النّاس يمرّون على الصراط طبقات، والصراط أدقّ من الشعر ومن حدّ السيف، فمنهم من يمرّ مثل البرق، ومنهم مثل عدو الفرس، ومنهم من يمرّ حبواً، ومنهم من يمرّ مشياً، ومنهم من يمرّ متعلّقاً قد تأخذ النار منه شيئاً وتترك شيئاً [١].
فبقدر الكمال الذي يكتسبه الإنسان في هذه النشأة، يتثبت في سلوك الصراط الأُخروي، ولاتزل قدمه، يقول سبحانه:(وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ)[٢].
هذا ما يقتضيه التدبّر في الآيات والروايات الواردة حول الصراط، ومع ذلك كلّه ليس معنى كون الصراط الأُخروي تجسماً للصراط الدنيوي، أو سلوكه تمثّلاً لسلوكه، إنكار وجود صراط فوق الجحيم، لا محيص لكل إنسان عن سلوكه، بل مقتضي التعبد بظواهر القرآن والحديث وجود ذلك الصراط بمعناه الحقيقى، وإن لم نفهم حقيقته، ولا بأس بإتمام الكلام بحديث جابر، وهو ينقل عن النبي أنّه قال:
[١] أمالى الصدوق، المجلس ٣٣، ص ١٠٧. لاحظ الدر المنثور، ج٤، ص ٢٩١.
[٢] سورة المؤمنون: الآيتان ٧٣ ـ ٧٤.