الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٧
كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَ جِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا)[١].
ويقول سبحانه: (وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ..)[٢].
وقد عرفت أنّ هذه الشهادة تستلزم من الكفاءات شيئاً عظيماً، وبهذا يظهر عظم مقام هذا الشاهد، لوقوفه على ضمائرالقلوب وأعمال الأُمّة، وإن كانوا بعيدين عنه. ومن كان له هذا المقام، فتعرّفه على الغيب من أهون الأُمور، ومع ذلك نرى بعض القشريين ينزعجون من إثبات علم الغيب للنبيّ، ويزعمون انّ نسبته إليه وإلى الله سبحانه يستلزم الشرك، ولكن عزب عنهم الفرق بين العلم الكسبي والذاتي، والمحدود واللامحدود، والقائم بالغير والقائم بالنفس .
الشاهد الرابع: بعض الأُمّة الاسلامية
يقوله سبحانه:(وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)[٣].
والخطاب في الآية للأُمّة الإسلامية، ولكن المراد قسم منها، نظير قوله سبحانه (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً)[٤]، مخاطباً بني إسرائيل، والمراد بعضهم. فباعتبار وجود الصّلة القوية بين القبيلة وملوكها، نسب الملوكية إلى الجميع .
والدليل على أنّ المراد بعض الأُمّة، هو أنّ أكثر أبناء الأُمّة، مجهزون بحواس عادية لا تتحمل إلاّ صور الأفعال والأعمال إذا كانوا في محضر المشهود عليهم، وهولا يفي في مقام الشهادة، لأنّ المراد من الشهادة هوالشهادة على حقائق الأعمال، والمعاني النفسانية من الكفر والإيمان والفوز والخسران، وعلى كل خفي عن الحسّ، و مستبطن عن الإنسان، وعلى كل ما تكسبه القلوب، الذي يدور عليه حساب ربّ العالمين، يقول سبحانه:(وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ
[١]سورة النساء :الآية ٤١.
[٢]سورة النحل :الآية ٨٩. ولاحظ الحج :الآية ٧٨.
[٣]سورة البقرة:الآية ١٤٣.
[٤] سورة المائدة :الآية ٢٠ .