الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٤
بالأدخنة المتصاعدة من معاملها، والإبخرة المتطايرة من موادها. ولكنها إلى اليوم ليست إلى الحدّ الّذي يزاحم الحياة، والله يعلم مآل الأُمور.
ولكنه تعالى يخبر عن حدوث دخان في السماء، يغشى الناس، ويكون عذاباً أليماً لهم، يقول تعالى:(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَ قَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ قَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)[١].
إنّ في تفسير الآية وجهين :
الوجه الأوّل - إن مجموع هذه الآيات راجعة إلى عصر النبي، وذلك أنّ رسول الله دعا على قومه لمّا كذّبوه، فقال: اللّهم سنينَ كسنىّ يوسف، فأجدبت الأرض وأصابت قريشاً المجاعة، وكان الرجل لما به من الجوع، يرى بينه وبين السماء كالدخان، فجاءوا إلى النبي وقالوا: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم وقومك قد هلكوا. فسأل الله تعالى لهم بالخصب والسعة، فكشف عنهم، ثم عادوا إلى الكفر[٢].
يلا حظ على هذا الوجه: أوّلا: إنّ ظاهر الآية أنّ السماء تأتي بدخان مبين، وتحدثه، وهو غير تجلّي السماء بصورة الد خان في عين الجائع، الذي هو انخداع الحواس لغلبة الجوع، من دون أن يكون هناك دخان في الواقع .
وثانياً: إنّ أصحاب السّير النبوية لم يذكروا شيئاً عن هذا الجوع المدقع الّذي أحدق بقريش وأوجد فيهم سنين كسنّي يوسف.
وثالثاً: إنّ ماجاء في القصة، لا يناسب خلق النبىّ وعطفه على قومه، وكونه رحمة للعالمين، كيف وقد قال سبحانه (وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ
[١]سورة الدخان: الآيات ١٠ـ١٦.
[٢]مجمع البيان، ج٥، ص٦٢، وتفسير الطبري،ج١٥،ص٦٦. وبهذا المضمون روايات أُخر في المصدرين .