الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٣
يبني لهم سدّاً يحجز عنهم يأجوج ومأجوج ويقيهم شرهما فقام ذوالقرنين بعملية كبيرة، حيث سدّ ما بين الجبلين - الّذي كان طريق نفوذهما- بزبر الحديد ثم أنجز عملية بناء السدّ بما يحكيه تعالى من قوله:(حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)[١].
فلما فرغ من بناء السدّ قال:
(هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً * وَ تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً)[٢].
وقوله:(وَ تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض). يعرب عن كون اندكاك السَّدِّ من أشراط الساعة[٣]. والمراد أنّه بعد انقضاء أمر السّدّ يموج بعض الناس في بعض، فيرتفع من بينهم النّظم، ويحكم فيهم الهرج والمرج، ويظهر هذا أيضاً من آية أُخرى، أعني قوله تعالى:(حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ * وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ)[٤].
فمفادها أنّه عندما ينفرج سدّ يأجوج ومأ جوج، يتفرق المحجوزون خلف السدّ، في الأرض، فلا ترى أكمةً إلاّ وقوم منهم يهبطون منها، وعند ذلك يقترب الوعد الحق، أي قيام الساعة. فيكون اندكاك السدّ وانتشار يأجوج ومأجوج في الأرض من أشراط الساعة، لحكايته عن اقتراب الوعد الحقّ، وهذا هو المراد من أشراط الساعة .
ج ـ إتيان السماء بدخان مبين
إنّ الصناعات البشرية أوجدت قلقاً في الحياة، ولوثت البيئة في الأرض
[١]سورة الكهف :الآية ٩٦ .
[٢]سورة الكهف :الآيتان ٩٨و٩٩.
[٣] ويمكن جعله من أشراطها على حدة، فإنّها تحكي عن عموم حالة الفوضى والهرج والمرج في العالَم بأسره.
[٤] سورة الأنبياء: الآيتان ٩٦ ـ ٩٧.