الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٤
هناك واقعية، غير البدن، يكلمها و يخاطبها، و يعلّمها بأنّ النجاة تشمل بدنها لا غيره.
ب ـ يقول سبحانه: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ )[١].
فقوله تعالى: (فَتَولّى عنهم): بعد قوله:(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ )، يدل على أنّ توليه عنهم كان بعد هلاكهم، و يترتب على ذلك أنّ محاورتهم بقوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ)، كان محاورة بعد الدمار، فالآية تدل على أمرين; خلود الروح بعد الموت، و إمكان الاتّصال بالإرواح كما اتصل صالح بها فقال ما قال.
و نظير ذلك ما نقله عن شعيب، قال: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ )[٢].و وجه الدلالة في المقامين واحدٌ خصوصاً إذا أمعنّا في «الفاء» في قوله، (فَتَولّى)، المعرب عن تأخّر التولّي و المحاورة عن الهلاك.
و إنّما جعلناهما من الآيات غير الصريحة، لاحتمال أن تكون المحاورة تأثّريّة، يتكلم بها الإنسان بلا اختيار عندما يواجه حادثة مؤلمة حلّت على إنسان عاصي لا يسمع كلام ناصحه، كالمجرم المصلوب فإنه يخاطب، بمثل ما خوطب به هؤلاء، و لكنّ ظاهر الآية هو الأوّل.
ج ـ يقول سبحانه: (وَ اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ )[٣].
و الآية تأمر النبي أن يسأل المتقدمين من الرسل في شأن اختصاص العبادة
[١] سورة الأعراف: الآيات ٧٧ ـ ٧٩.
[٢] سورة الأعراف: الآيتان ٩٢ ـ ٩٣.
[٣] سورة الزخرف: الآية ٤٥.