الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٢
مدينة أنطاكية، فلقيا من أهلها عنفاً و ردّاً، غير أنّ واحداً من أهلها اسمه حبيب النجار، آمن بهما و أظهر إيمانه، و قال: (إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)، فلما سمع القوم إيمانه و طؤوه بأرجلهم حتى مات، فأدخله الله الجنة، و خوطب بقوله تعالى: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ ). ثم هو تمنّى أن يعلم قومه بما آتاه الله تعالى من المغفرة و جزيل الثواب، فقال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ ).
فالآية تدل على أنّ الموت ليس فناء للإنسان، بل هو بعد الموت يرزق في الجنة، ويتمنى أن يعلم قومه بما رزق من الكرامة.
أضف إلى ذلك أنّ قوله تعالى: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ )، لا يمكن أن يكون خطاباً للبدن لأنه يوارى تحت التراب، فالمخاطب به شيء آخر، و هو الروح، فتدخل الجنة و تتنعّم فيها، و كم فرق بين قوله: «ادخل الجنة» و قوله «أبشر بالجنة» فالثاني لا يدلّ على شيء مما ذكرنا بخلاف الأوّل.
(ح) ـ يقول سبحانه: (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )[١].
و أمّا دلالة الآية على أنّ الروح أمر غير مادي فيظهر بالإمعان فيها، و بيانه: أنّ الآية تبيّن تكامل خلقة الإنسان من مرحلة إلى مرحلة، و المراحل الموجودة بين السلالة، و قوله: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)، كلّها تكامل من صنف واحد، فمادة الإنسان لن تبرح تتكامل من السلالة إلى العظام المكسورة باللّحم.
و بعد ذلك نرى تغييراً في أسلوب بيان الآية، حيث يقول: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). فهو سبحانه:
أوّلاً: يعطف هذه المرحلة على المراحل السابقة، بلفظة ثمّ، بخلاف
[١] سورة المؤمنون: الآيات ١٢ـ ١٤.