الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٣
مآله إلى أنّ شخصيتكم الحقيقية لا تضل أبداً في الأرض، وما يرجع إليها يأخذه ويقبضه ملك الموت، وهو عندنا محفوظ لا يتغير ولا يتبدّل ولا يضلّ، وأمّا الضال، فهو البدن الذي هو بمنزلة اللباس لهذه الشخصية.
فينتج أنّ الضال لا يشكل شخصية الإنسان، وما يشكّلها ويقوّمها فهو محفوظ عند الله، الذي لا يضلّ عنده شيء.
و الآية تعرب عن بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادة وآثارها، وهذا الجواب هو الأساس لدفع أكثر الشبهات التي تطرأ على المعاد الجسماني العنصري.
و بما أنّ تجرد النفس، ممّا شغل بال المنكرين، واهتمّ به القرآن الكريم، عناية كاملة، فسنبحث عنه بعد الإجابة عن الشبهة الرابعة.
جواب الشبهة الرابعة ـ شخصية المعاد نفس شخصية المُبْتدأ
عرفت أنّهم قالوا: إذا كانت الغاية من المعاد، تحقيق العدل الإلهي، وإثابة المطيع، وعقاب العاصي، فيجب أن يكون المعاد نفس المبتدأ حتى لا يؤخذ البريء بجرم المتعدي، وهو يتوقف على وجود الصلة بين الشخصيتين، وليس هناك صلة بينهما.
و هذه الشبهة ناشئة من نفس ما نشأت الشبهة السابقة منه، وهو تخيّل أنّ شخصية الإنسان منحصرة في الإطار المادي، لا غير. ولعلّ قولهم: «أئذا ضللنا في الأرض»، يشير إلى هذه الشبهة.
و الجواب نفس الجواب السابق، وهو أنّ ما يرجع إلى حقيقة الإنسان محفوظ عند الله سبحانه، وهو الصّلة الوثيقة بين المبتدأ والمعاد، وهو الذي يجعل البدن الثاني، إعادة للشخص الأول، لأنّ شخصيته هي روحه ونفسه وهي محفوظة في كلتا الحالتين، وإنّما البدن أداة ولباس لها، وليس هذا بمعنى أنّ الروح تعاد ولا يعاد البدن، ولا أنّه لا يعاد نفس البدن الأول ، بل بمعنى أنّ المناط للشخصية الإنسانية، هو روحه ونفسه، والبدن غير مُهْتَم به، والغرض من حشره ببدنه، عدم إمكان تعذيب الروح أو تنعيمها إلاّ عن طريق البدن، فإذا كانت الشخصية