الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧١
بين أن يكون ممكناً، أو واجباً لأنّ الحسن حسن في كل حال، والقبيح قبيح كذلك.
و هناك جماعة من المتكلمين ـ كالأشاعرة ـ ينكرون التحسين والتقبيح العقليين، ويتركون المجال في القضاء بهما للوحي السماوي، وهم أيضاً يقولون بلزوم العمل بالعدل والاجتناب عن الظلم، بحكم أن الشرع قد أمر بهما، وأنّه سبحانه وصف نفسه بالقيام بالقسط [١]، فتكون النتيجة لزوم معاملة العباد بالعدل.
ثم إنّ إثابة المطيعين من باب التفضل منه سبحانه، لأنّهم يطيعونه تعالى لفضل ما أنعمه عليهم من النعم الوجودية، كما أنّ عقاب العصاة، حق محض له، فله أن يعفو عنهم [٢].
هذا هو حكم العقل في كل واحد من القسمين: المطيع والعاصي، إذا لوحظا مستقلين.
و لكن هناك كلام آخر، وهو أنّه لو كان جميع العباد مطيعين سالكين نهج الإمتثال، فله التفضل بالثواب، كما له تركه. وكذلك لو كان جميع العباد، عصاة سالكين نهج المخالفة، فله سبحانه معاقبتهم أو العفو عنهم، ولكنّ العباد، ينقسمون إلى قسمين، فهم بين مطيع وعاص، والتسوية بينهم بصورها المختلفة، إلى قسمين، فهم بين مطيع وعاص، والتسوية بينهم بصورها المختلفة، خلاف العدل. فإنّه لو أثاب الجميع أو عاقب الجميع، أو تركهم سدىً من دون أن يحشروا في النشأة الأُخرى، كان ذلك كلّه على خلاف العدل، وخلاف ما يحكم به العقل من لزوم كون فعله تعالى حسناً، فهنا يستقل العقل بأنّه يجب التفريق بينهما من حيث المصير والثواب والعقاب، وبما أنّ هذا غير متحقق في النشأة الدنيوية، فيجب أن يكون هناك نشأة أُخرى يتحقق فيها ذلك الميز، ويفرّق فيه بين المطيعين والعاصين، وهو المعاد.
و هذا الدليل العقلي يشير إليه القرآن الكريم في لفيف من آياته، وهي على
[١] سورة آل عمران: الآية ١٨. وسورة يونس: الآية ٤٤.
[٢] كل ذلك مع قطع النظر عن وعده ووعيده.