الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٤
فرد من الأُمّة بأحد الطرق، ما اشترطوه من الشروط، وذكروه من الأوصاف في حق الإمام، وستوافيك فيما يأتي. ولأجل إيقاف الباحث على صحّة هذا التحليل نشير إلى بعض كلماتهم.
قال الباقلاني: «لا ينخلع الإمام بفسقه وظُلْمِهِ بغصب الأموال، وضَرْب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله» [١].
وقال الطحاوي: «ولا نرى الخروج على أئمتنا ووُلاة أُمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزوجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة» [٢]. وقال: «والحج والجهاد ماضيان مع أُولي الأمر من المسلمين، بَرِّهِم وفاجِرِهِم، إلى قيام الساعة، ولا يبطلهما شيء ولا يَنْقُضهما»[٣].
قال التفتازاني: «ولا يَنْعَزِلُ الإمام بالفسق، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى، والجور (أي الظلم على عباد الله)، لأنّه قد ظهر الفسق، وانتشر الجور من الأئمة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجُمَع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم». ونَقَل عن كتب الشافعية أنّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام، والفرق أن في انعزاله ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة، لما له من الشوكة، بخلاف القاضي [٤] .
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي ذكروها في وجوب إطاعة السلطان الجائر، وحرمة الخروج عليه [٥] . فإنّ هذه الكلمات تبين لنا موقع منصب الإمامة عند أهل
[١] التمهيد، للقاضي أبي بكر الباقلاني، ص ١٨١. توفي القاضي عام ٤٠٣ هـ .
[٢] متن شرح العقيدة الطحاوية، ص ٣٧٩، ولاحظ ما ذكره في شرحه.
[٣] المصدر السابق، ص ٣٨٧ .
[٤] شرح العقائد النسفيّة، المتن لأبي حفص عمر بن محمد النَّسفي (م ٥٣٧ هـ )، والشرح لسعد الدين التفتازاني (م ٧٩١ هـ ) ص ١٨٥ ـ ١٨٦، ط إسطنبول .
[٥] لاحظ مقالات الإسلاميين، للأشعري، ص ٣٢٣، وأصول الدين، لمحمد بن عبد الكريم البزدوي (إمام الماتريدية)، ص ١٩٠ .