الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١
إنّ لكلٍّ حُجَّته ودليله، وإنّ للمصيب أَجْرَيْن وللمخطئ أجراً واحداً، فما هذه الدمدمة والهمهمة حول الإمامة؟
وإذا كانت الإمامة، بعامَّة أبحاثها من الفروع، فما وجه إقحام ذلك في عِداد المسائل الأُصولية، كما ارتكبه إمام الحنابلة، وقال: «خير هذه الامة بعد نبيّنا، أبو بكر، وخيرُهُم بعد أبي بكر، عُمَر، وخيرهم بعدَ عُمَر عُثْمان; وخيرهم بعد عثمان، عَليّ; رضوان الله عليهم، خلفاء راشدون مهديُّون» [١].
ومثلُه، أبو جعفر الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية، المسماة بـ«بيان عقيدة السنّة والجماعة»، حيث قال: «وتثبت الخلافة بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأبي بكر الصِّدِّيق، تفضيلاً، وتقديماً على جميع الأُمّة، ثم لِعُمَرَ بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفّان، ثم لعليّ بن أبي طالب»[٢].
وقد اقتفى أثرهما الشيخ أبو الحسن الأشعري، عند بيان عقيدة أهل الحديث وأهل السُّنة، والشيخ عبد القاهر البغدادي في بيان الأُصول الّتي اجتمع عليها أهل السنّة [٣].
وهذا الصراع بين القولين، أراق الدماء الطاهرة، وجرّ على الأُمّة الويلَ والثُبُور، وعظائم الأُمور، فما معنى إقحام الإعتقاد بالأحكام الفرعية في قائمة العقائد؟ وإِنْ هذا إلاّ زَلَةٌ لا تُستقال.
نعم، أَوَّلُ من لبّس الأمر، وجعل الإعتقاد بها من صميم الإيمان على
[١] كتاب السنة ص ٤٩، المطبوع ضمن رسائل بإشراف حامد محمد فقي. وهذا الكتاب ألف لبيان مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السُّنة، وَوَصَفَ مَنْ خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها أو عاب قائلها، بأنّه مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة وسبيل الحق.
[٢] شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي، ص ٤٧١، وأخذنا العبارة من المتن. وتوفي الطحاوي عام ٣٢١ هجري.
[٣] لاحظ «الإبانة عن أُصول الديانة»، الباب ١٦، ص ١٩٠ و «الفَرْق بين الفِرَق» ص ٣٥٠. ولاحظ «لُمَع الأَدلة» للإمام الأشعري، ص ١١٤، و «العقائد النَّسَفية» ص ١٧٧ .