الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٨٠
و من عجيب القضايا ما رواه مسلم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، وقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب، قال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم. سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان. فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أمّا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّأنّه لا نبوة بعدي.
و سمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسلوه، ويحبّه الله ورسوله. قال: فتطاولنا لها، فقال: أدعولي عليّاً، فأتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
و لما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)، دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللّهم هؤلاء أهلي» [١].
و أمّا دلالة الحديث على أنّ النبي أفاض على عليًّ ـ عليه السَّلام ـ ـ بإذن من الله سبحانه ـ الخلافة والوصاية، فيكفيك فيها أنّ كلمة «منزلة» إسم جنس أضيف إلى هارون، وهو يقتضي العموم، فيدلّ على أنّ كل مقام ومنصب كان ثابتا لهارون فهو أيضاً ثابت لعلي، إلاّ ما استثناه، وهو النبوّة.
على أنّ الإستثناء هو أيضاً دليل العموم، ولولاه لما كان وجه للإستثناء.
و أمّا ما جاء في صدر الحديث من أنّه خلّفه على أهله، فلا يكون دليلاً على الإختصاص، لبداهة أنّ المورد لا يكون مخصّصاً، وهو أحد القواعد المسلّمة في
[١] صحيح مسلم، ج ٧، باب فضائل علي بن أبي طالب، ص ١٢٠ ـ ١٢١.