الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٤
الإسلامي ككل، لا من حيث اشتماله على أفراد لا يدرك شأوهم في الفضيلة والصلاح.
و لعلّ الباحث يتخيل أنّهم انقلبوا بعد رحلة الرسول إلى مجتمع ديني لا يتخطون سبيل الدين قيد أنملة، ولكن ما ورد في الصحاح والمسانيد من ارتداد أمّة كبيرة من الصحابة، يؤيّد ما ذكرناه من عدم رسوخ العقيدة والإيمان في قلوبهم، ولا مجال لذكر جميع الروايات، إنّما نكتفي بواحدة منها ونحيل البقية إلى الباحث الكريم:
روى البخاري في تفسير قوله سبحانه: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) [١] قال: خطب رسول الله فقال: ألا وإنّه يجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول، يا رب أصحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ)فيقال إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم ما فارقتهم[٢].
إنّ دراسة هذه الأمور الثلاثة، يرشدنا إلى أنّ القائد الحكيم، الذي مرّت عليه هذه الأوضاع والأحوال وعاينها عن كثب، عليه أن يستخلف قائداً للأمّة لما في هذا التنصيب من مصلحة، وقطع لدابر الإختلاف، وجمع لشمل الأمّة. وهذا بخلاف ما لو ترك الأمر إلى المسلمين أنفسهم، ففيه من الأخطار ما صوّرناه.
إنّ القائد الحكيم هو من يعتني بالأوضاع الإجتماعية لأمّته، ويلاحظ
[١] سورة المائدة: الآية ١١٧.
[٢] صحيح البخاري، ج ٣، ص ٨٥. وصحيح مسلم، كتاب الجنة ونعيمها، ومسند الإمام أحمد، ج ١، ص ٢٣٥.
إنّ الروايات الدالّة على ارتداد الصحابة رحلة النبي الأكرم، كثيرة جداً، لا يمكن حملها على نفر أو اثنين منهم، بل لا يصحّ في تفسيرها إلاّ حملها على أمة كبيرة منهم، فلاحظ ماورد في هذا المجال: جامع الأصول لابن الأثير، ج ١١، كتاب الحوض، الفرع الثاني في ورود الناس عليه، الأحاديث ٧٩٦٩ ـ ٧٩٨٠.