الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥١
قالت عائشة: فصار الحيّان (الأوس والخزرج) حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، قائم على المنبر، ولم يزل رسول الله، يخفضهم (أي يهدئهم) حتى سكتوا»[١].
و لا يقل شاهداً على وجود هذه الرواسب في نفوس الكثيرين منهم، ما ظهر منهم في يوم السقيفة من روح القبلية، ونزعة التعصّب، وتبودل بينهم من الشتم والضرب، وإليك نقل القصة عن لسان عمر، قال: «فقال ممثل الأنصار (سعد بن عبادة):
أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين، رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم (أي جاء جماعة ببطء) وإذا هم يريدون أن يختارونا (يدفعونا) من أصلنا، ويغصبونا الأمر.
فقال أبوبكر [٢]: أمّا ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أصل ولن تعرف العرب هذا الأمر، إلاّ لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً.
ثم قال قائل من الأنصار: «أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، منّا أمير ومنكم أمير، يا معشر قريش». قال عمر: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى تخوفت الإختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته: ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة» [٣].
و لم يقتصر إختلاف الأمّة على ما جرى في السقيفة، بل جرت بين الأنصار والمهاجرين مشاجرات كلامية وشعرية وهجائية، هاجم كلٌّ الفريق الآخر، بأنواع الهجاء، نقلها المؤرخون ولا يعجبني نقل كلمهم [٤].
[١] صحيح البخاري، ج ٥، ص ١١٩، بابب غزوة بني المصطلق.
[٢] لم يكن يوم السقيفة من المهاجرين إلاّ خمسة، أشخاص، ولأجل ذلك لم نصف القائل بممثل المهاجرين.
[٣] السيرة النبوية، ج ٢، ص ٦٥٩ ـ ٦٦٠. وإنّما بايعه الأوس من الأنصار، وأما الخزرجيون، فقد خرجوا غير مبايعين لأحد .
[٤] لاحظ شرح نهج البلاغة، لابن الحديد، ج ٦، ص ١٧ ـ ٣٨ ط مصر.