الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٠
ذات يوم على نفرً من أصحاب الرسول، من الأوس والخزرج، فرآهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم، فأمر فتى شاباً من اليهود، كان معهم، فقال له: إعمدا إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل الشاب ذلك، فأَثّر كيد ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، وقال: «يا معشر الملسلمين، الله، الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر»؟ [١].
و من ذلك الذي يدلّ على تعمّق رواسب القبيلة في النفوس، ماذكره الشيخ البخاري في صحيحه، في قصد الإفك، قال: «قال النبي وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، و ما يدخل على أهلي إلاّ معي».
قالت عائشة: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا.
قالت عائشة: فقام رجل من الخزرج، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج ـ قالت عائشة، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية ـ فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمرو الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل.
فقال أُسيد بن حضير، وهو ابن عمّ سعد بن معاذ، لسعد بن عبادة: كذبت لعمرو الله، لتقتلنّه، فانّك منافق تجادل عن المنافقين.
[١] السيرة النبوية، ج ١، ص ٥٥٥.