الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٤
القيام بشخص النبي الأكرم إلى مرحلة القيام بشخص آخر مثالي يقوم مقامه، فعند ذلك تحققت الأُمور الثلاثة: يئسوا من زوال الدين، بعد موته، وكمل الدين بتنصيب من يحمل وظائف النبي، وتمّت نعمة الهداية إلى أهداف الرسالة بالوصي القائم مقامه.
فالمراد من إكمال الدين، تحوّله من وصف الحدوث إلى وصف البقاء، وكان ذلك العلم، ردّاً لما يحكيه سبحانه عن الكفار بقوله: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ )[١].
و على ذلك، فتنسجم الجمل الثلاث، ويرتبط بعضها ببعض، فالدين الذي أكمله الله اليوم، والنعمة التي أتمّها الله اليوم، أمر واحدٌ بحسب الحقيقة، و هو الذي كان يطمع فيه الكفار، ويخشاهم فيه المؤمنون، فآيسهم الله منه، وأكمله وأتمّه، ونهاهم عن الخشية منهم، وقال: (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ)[٢].
* * *
هذه هي حقيقة الإمامة، والإمام عند الشيعة، وبذلك يعلم اختلاف ما يتبنونه مع ما هو المعروف عند أهل السنّة، ومن المعلوم أنّ كلاًّ من المعنين يستدعي لنفسه شروطاً خاصّة، والشروط عند الشيعة الإمامية أكثر ممّا اتّفقت عليه كلمة أهل السنّة، أهمها إحاطته بأصول الشريعة وفروعها، والمعرفة التامّة بكتاب الله، وسنّة نبيّه، وقدرته على دفع الشبهات، وصيانة الدين، يكون كلامه هو القول الفصل بين الأُمّة، ولا تفترق هذه الشروط عن كونه معصوماً، لا يضلّ في تعليم الأُمّة.
قال الشيخ الرئيس ابن سينا في لزوم نصب الإمام من جانب النبي: «ثم إنّ هذا الشخص الذي هو النبي، ليس ممّا يتكرر وجود مثله في كل وقت، فإنّ
[١] سورة البقرة: الآية ١٠٩.
[٢] سورة المائدة: الآية ٣.