الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣٧
صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكَرخ، وأُخذ ما وجد من دفاتره وكرسي يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ، وأُضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، وأُحرق الجميع»[١].
هذا غيض من فيض، ونزر من كثير، حول اضطهاد الشيعة وقتلهم، وهتك أعراضهم، جئنا به ليقف القارئ على أنّ لجوء الشيعة إلى هذا الأصل لم يكن إلا لظروف قاسية مرت عليهم، وهي بعد سائدة، فما ذنب الشيعة إذا أرادوا صيانة أنفسهم وأعراضهم وأموالهم؟
بالله عليكم أيُّها الاخوان، لو كنتم أنتم مكان الشيعة، وكنتم تواجهون هذه الأحداث المؤلمة، هل كنتم تسلكون غير هذا المسلك، وهل كنتم تضنون بالنفس والنفيس، أو كنتم تهدون دماءكم وتهتكون أعراضكم وتبيدون أموالكم؟
أظن أنّ من يملك شيئاً من العقل والإنصاف يحكم بالثاني، إلا إذا كان هناك مصلحة أهم منها، وتوقف إعلاء الحق وإبطال الباطل على التضحية، وهو أمر آخر خارج عن الموضوع. وبعد هذا كله، أفيصح أن يقال إنّ التقية نفاق؟[٢].
* * *
[١] الحادثة مذكورة في أكثر الكتب التاريخية الّتي تعرضت لحوادث عامي ٤٤٧ و٤٤٨ للهجرة. وقد ذكرها شيخنا الطهراني في مقدمة «التبيان»، ص ٥.
[٢] نعم، هنا بحث آخر وهو أنّه إذا عمل الشيعي على مقتضى التقية، كما إذا غسل رجليه مكان مسحهما أو سجد على غير ما يصح عليه السجود، كالسجاجيد، فكيف يحكم بصحة عمله مع أنّه لم يمتثل ما على ذمته؟ وهذه مسألة فقهية، لها بحثها، وإجمال الجواب أنّ أدلة التقية حاكمة على الأدلة الواقعية، موسعة لها في ظروفها كالتيمم في مواقع فقد الماء، فإجزاؤهما من باب واحد، والتفصيل يطلب من محله.