الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣٥
عماله في جميع الآفاق: «انظروا إلى من أُقيمت عليه البيّنة أنّه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه». وشفع ذلك بنسخة أُخرى فيها: «من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره». فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة.
روى أبو الحسن علي بن محمد المدائني قال: قامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَنْ بها مِن شيعة عليّ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي ـ عليه السَّلام ـ ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم»[١].
وهناك رسالة قيّمة لأبي الشهداء، الحسين بن علي ـ عليه السَّلام ـ حول الدماء الجارية والنفوس المقتولة بيد ابن أبي سفيان، بذنب أنّهم شيعة علي ومحبوه، رسالة تُعدّ من أوثق المصادر التاريخية وممّا جاء فيها:
«أو لَسْت قاتلَ حِجْر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة، جرأةً على الله واستخفافاً بعهده»؟
«أَلَسْت قاتلَ عمرو بن الحمق الّذي أخْلَقَت وأبْلَتْ وجهه العبادة، فقتلته من بعدما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من سقف الجبال»؟
«أولست قاتل الحضرمي[٢] الّذي كتب إليك فيه زياد: إنّه على دين عليّ كرم الله وجهه، ودين علي هو دين ابن عمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين:
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٣، ص ١٥.
[٢] يعني شريك بن شداد الحضرمي، كان من أصحاب حجر الذين بعث بهم زياد إلى معاوية وقتل مع حجر.