الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣٣
وأما المنافق فإنما يلجأ إلى النفاق، لا لتلك الغايات المقدّسة، وإنما يريد أنْ يتدخل في شؤون المسلمين، ويقلب ظهر المجن عليهم في الظروف القاسية أو يشترك معهم في المناصب، والمقامات والغنائم والأموال وغير ذلك ممّا تلتذ به النفوس الحريصة، ولأجل ذلك يعدّ سبحانه عبد الله بن أُبَيّ وأنصار حزبه من المنافقين وإنْ تظاهروا بالإيمان. يقول سبحانه:(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)[١].
ويقول سبحانه: (وَ مِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَ اللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[٢].
سؤال وجواب
أما السؤال، فهو: إنّ الآيتين راجعتان إلى تقيّة المسلم من الكافر، ولكن الشيعة تتقي إخوانهم المسلمين، فكيف يستدل بهما على صحة عملهم؟
وأما الجواب، فهو: إنّ الآيتين وإن كانتا لا تشملان تقية المسلم من أخيه المسلم بالدلالة اللفظية، ولكنهما تشملان غير موردهما بنفس الملاك الّذي سوَغ تقية المسلم من الكافر فإن وجه تشريع التقية هو صيانة النفس والعرض والمال من الهلاك والدمار، فإن كان هذا الملاك موجوداً في غير مورد الآية فيجوز، أخذاً بوحدة المناط. وقد كان عمل الشيعة على التقية منذ تغلّب معاوية على الأُمّة، وابتزازه الإمرة عليها بغير رضاً منها، وصار يتلاعب بالشريعة الإسلامية حسب أهوائه، وجعل يتتبع شيعة علي ويقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويأخذ على الظنة والتهمة. وسارت على طريقته العوجاء الدولة المروانية، ثم العباسية، فزادتا الطين بلة، والطنبور نغمة. هذا وذاك، اضطر الشيعة إلى كتمان أمرها تارة، والتظاهر به أُخرى، زنة ما تقتضيه مناصرة الحق، ومكافحة الضلال، وما يحصل به إتمام الحجة.
[١] سورة المنافقون: الآية ١.
[٢] سورة التوبة: الآية ٩٨.