الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٢٥
نعم، يستفاد من ظاهرها أنّها ليست في السماء الّتي يراد منها السيارات والكواكب والمجرّات الظاهرة. وممّا يؤيد ذلك أنّ النظام السمائي السائد على الكون المشاهد، يتلاشى عند قيام القيامة لقوله سبحانه: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْدًاَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)[١] فلو كانت الجنة والنار فيها، للزم تلاشيهما واندثارهما عند قيام القيامة.
ويمكن أن يقال إنّ الجنة والنار كسائر الموجودات الإمكانية، تتكاملان وتتسعان، ويؤيّده ما رُوِيَ عن النبي أنّه قال: «ليلةَ أُسرِيَ بي، مَرّ بي إبراهيم، فقال: مُرْ أُمَّتَكَ أنْ يُكْثِروا من غرس الجنة، فإن أرضها واسعة وتربتها طيبة، قلت: وما غرس الجنة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله»[٢].
هذا كله على القول بأنّ الجنة والنار حسب ظواهر الكتاب، موجودتان في الخارج، مع قطع النظر عن أعمال المكلف، وأنّهما معدّتان للمطيع والعاصي، وأما على القول بأنّه ليس لهما وراء عمل الإنسان حقيقة، وأن الجنة والنار عبارة عن تجسم عمل الإنسان بصورة حسنة وبَهيّة، أو قبيحة ومرعبة، فالجنة والنار موجودتان واقعاً بوجودهما المناسب في الدار الآخرة، وإن كان الإنسان، لأجل كونه محاطاً بهذه الظروف الدنيوية، غير قادر على رؤيتهما، وإلا فالعمل، سواء كان صالحاً أو طالحاً، قد تحقق وله وجودان وتمثّلان، وكلٌّ موجود في ظرفه.
* * *
[١] سورة الأنبياء: الآية ١٠٤.
[٢] سفينة البحار، مادة غرس، ج ٢، ص ٣١٢.