الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٢٤
وقال سبحانه: (وَ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ)[١]. وقال سبحانه: (وَ إِنْ مِنْ شَيءْ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)[٢]. وكذا اللوح المحفوظ، كما قال سبحانه: (وَ عِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ)[٣]. فهذه الآيات تعرب عن عدم شمول الآية إلا لما له وجود دنيوي، فيتبدل إلى وجود أُخروي، لا ما كان موجوداً بوجود أُخروي من بدء الأمر.
ويلاحظ على الثالث أنّه مبني على التصوير البَطْلَمْيوسي للعالم، وقد أبطل العلم أصله، فيبطل ما فرع عليه، فإن الكون وسيع إلى حد لا تحيط به الأرقام والأعداد النجومية.
وعلى ذلك يمكن أنْ تكون الجنة والنار في ذلك الفضاء الواسع الّذي لا يحيط بسعته إلا الله سبحانه، وليس علينا تعيين مكانهما بالدقة، كيف والله سبحانه يقول: (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى)[٤]، فلمّا كان المراد من جنة المأوى، الجنة الموعودة، فهي عند سدرة المنتهى، وقد سئل ابن عباس عن سدرة المنتهى، فقال: «إليها ينتهي علم كل عالم، وما وراءها لا يعلمه إلاّ الله»[٥]. فإذا كانت سدرة المنتهى هي منتهى علم البشر، فلن يصل علمهم إلى الجنة الموعودة الّتي هي عندها، ولا يمكن لأحد تعيين مكانها، بل غاية ما يمكن قوله هو أنّهما مخلوقتان موجودتان في هذا الكون غير المتناهي طولاً وعرضاً.
وأما قوله سبحانه: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّة عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ)[٦]، فليس المراد من العَرْض فيه ما يضاد الطول، بل هو بمعنى السعة، والآية بصدد بيان سعة الجنة كما لا يخفى.
[١] سورة آل عمران: الآية ١٩٨.
[٢] سورة الحِجْر: الآية ٢١.
[٣] سورة ق: الآية ٤.
[٤] سورة النجم: الآيتان ١٤ ـ ١٥.
[٥] الدر المنثور، ج ٦، ص ١٢٥.
[٦] سورة الحديد: الآية ٢١.