الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٢٣
ولامتناع حصول العنصريات فيها، ولأنّها لا تسع جنّة عرضها كعرض السماء والأرض.
وأما الثاني، بأن يكونا فوق محدد الجهات[١]، فلأنّه يلزم أن يكون في اللامكان مكان، وفي اللاجهة جهةٌ[٢].
يلاحظ على الأول: أنّ الحكم بالعبثية يتوقف على العلم القطعي بعدم ترتب غرض عليه، ومن أين لنا بهذا العلم؟
ويلاحظ على الثاني: أنّه ليس المراد من (هالك) هو تحقق انعدامه وبطلان وجوده، بل المراد أنّ كل شيء هالك في نفسه، باطل في ذاته، لا حقيقة له إلا ما كان عنده ممّا أفاضه الله عليه. والحقيقة الثابتة في الواقع الّتي ليست هالكة باطلة من الأشياء هي صفاته الكريمة، وآياته الدالة عليها فيهما جميعها ثابتة بثبوت الذات المقدسة، هذا بناء على كون المراد بالهالك في الآية، الهالك بالفعل.
وأما إذا أُريد من الهالك ما يستقبله الهلاك والفناء، بناء على ما قيل من أنّ اسم الفاعل ظاهر في الاستقبال، فهلاك الأشياء ليس بمعنى البطلان المطلق بعد الوجود، بأنْ لا يبقى منها أثر، فإنّ صريح كتاب الله ينفيه، فإن آياته تدل على أنّ كل شيء مرجعه إلى الله وأنّه المنتهى وإليه الرجعى، وهو الّذي يُبدىءُ الخلق ثم يعيده.
وإنّما المراد بالهلاك على هذا الوجه، تَبَدُّل نشأة الوجود، والرجوع إلى الله، المعبر عنه بالانتقال من الدنيا إلى الآخرة، والتلبس بالعود بعد البدء، وهذا إنما يشمل ما كان موجوداً بوجود بدني دنيوي، وأما نفس الدار الآخرة، وما هو موجود بوجود أُخروي كالجنة والنار، فلا يتصف بالهلاك بهذا المعنى. قال سبحانه: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مَا عِنْدَ اللهِ بَاق)[٣].
[١] محدّد الجهات عبارة عن الفَلَك التاسع، وهو الفلك الأطلس الّذي كان يعتقد به بطلميوس ويقول ليس فوقه خلاء ولا ملاء.
[٢] لاحظ هذه الوجوه الثلاثة في شرح المقاصد، ج ٢، ص ٢١٩.
[٣] سورة النحل: الآية ٩٦.