الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤١
هذا وذاك، وغيرهما ممّا لم نذكره، وجاء في الحديث والتاريخ، يعرب عن أنّ التعليم الغيبي لا يختصّ بالأنبياء، وأنّ هناك رجالاً صالحين، يحملون علوم النبوة ويحتضنونها بفضل من الله سبحانه، لغاية قدسية هي إبلاغ الأُمّة إلى غاية من الكمال، وإيصاد الثغرات الهائلة التي تخلفها رحلة النبي.
الإشكال الثاني
إذا شهد التاريخ، والمحاسبات الإجتماعية، بعدم استيفاء، النبي لمهمة التشريع، فما معنى قوله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)[١]؟.
الجواب
إنّ السؤال مبني على تفسير الدين بالأحكام الشرعية، وحمل الإكمال على بيانها. وذلك غير صحيح لوجوه:
الأوّل ـ إنّ كثيراً من المفسّرين، فسّروا اليوم، بيوم عرفة، من عام حجة الوداع [٢]. ومن المعلوم أنّ هناك روايات كثيرة لا يستهان بها عدداً تدلّ على نزول أحكام وفرائض بعد ذلك اليوم، منها أحكام الكلالة، المذكورة في آخر سورة النساء[٣]، ومنها آيات الربا [٤]، حتى روي عن عمر أنّه قال في خطبة خطبها: «من آخر القرآن نزولاً آية الربا، وإنّه مات رسول الله ولم يبيّنه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم» [٥]. وروى البخاري في الصحيح، عن ابن عباس،
[١] سورة المائدة: الآية ٣.
[٢] لاحظ تفسير الطبري، ج ٦، ص ٥٤، تفسير الرازي، ج ٣، ص ٣٦٨.
[٣] سورة النساء: الآية ١٧٦.
[٤] سورة البقرة: الآيات ٢٧٥ ـ ٢٧٨.
[٥] الدر المنثور، للسيوطي، ج ١، ص ٣٦٥. ولاحظ تفسير الرازي، ج ٢، ص ٣٧٤، ط مصر في ثمانية أجزاء.