الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٠٩
وقال العلامة الحلّي: «أجمع المسلمون كافة على أن عذاب الكافر مؤبد لا ينقطع، وأما أصحاب الكبائر من المسلمين، فالوعيدية على أنه كذلك. وذهب الإمامية وطائفة كثيرة من المعتزلة والأشاعرة إلى أن عذابه منقطع»[١].
واستدل القائلون بالانقطاع بآيات، منها قوله سبحانه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ)[٢]، والإيمان أعظم أفعال الخير. فإذا استحق العقاب بالمعصية، فإما أن يقدّم الثواب على العقاب، فهو باطل بالإجماع، لأن الإثابة لا تكون إلا بدخول الجنة، والداخل فيها مخلّد لا يخرج منها أبداً، فلا يبقى مجال لعقوبته، أو بالعكس وهو المراد.
أضف إلى ذلك أنه يلزم أنْ يكون مَنْ عَبَدَ الله تعالى مدةَ عمره بأنواع القربات إليه، ثم عصى في آخر عمره معصية واحدة، مع حفظ إيمانه، مخلداً في النار، ويكون نظير من أشرك بالله تعالى مدة عمره، وهذا عند العقل قبيح ومحال[٣].
واستدلت المعتزلة على خلود الفاسق في النار، بالسمع وهو عدة آيات، استظهرت من إطلاقها أن الخلود يعم الكافر والمنافق والفاسق. وإليك هذه الآيات واحدة بعد الأُخرى.
الآية الأُولى : قوله سبحانه: (وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَ لَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)[٤]. ولا شكّ أن الفاسق ممن عصى الله ورسوله بترك الفرائض وارتكاب المعاصي.
يلاحظ عليه: أولاً : إنّ دلالة الآية على خلود الفاسق في النار لا يتجاوز حد الإطلاق، والمطلق قابل للتقييد. وقد خرج عن هذه الآية باتفاق المسلمين
[١] كشف المراد، ص ٢٦١، ط صيدا.
[٢] سورة الزلزلة: الآية ٧.
[٣] لاحظ كشف المراد، ص ١٦١، ط صيدا.
[٤] سورة النساء: الآية ١٤. وأما قوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)(الجن: الآية ٢٣) فهو راجع إلى الكفار، كما هو واضح لمن لاحظ آيات السورة.