الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧١
تحليل لمسألة الإحباط
وها هنا تحليل آخر للمسألة و هو أنّ في الثواب و العقاب أقوال:
١ ـ الثواب و العقاب في الآخرة من قبيل الأُمور الوضعية الجعلية كجعل الأُجرة للعامل، و العقاب للمتخلّف في هذه النشأة.
٢ ـ الثواب و العقاب في الآخرة مخلوقان لنفس الانسان حسب الملكات التّي اكتسبها في هذه الدنيا، بحيث لا يمكن لصاحب هذه الملكة، السكون و الهدوء إلا بفعل ما يناسبها.
٣ ـ الثواب و العقاب في الآخرة عبارة عن تمثّل العمل في الآخرة و تجلّيه فيها بوجوده الأُخروي من دون أن يكون للنفس دور في تلك الحياة، في تحلّي هذه الأعمال بتلك الصور، بل هي من ملازمات وجود الانسان المحشور.
فلو قلنا بالوجه الأوّل، كان لما نقلناه من نفاة الحبط (من أنّ الاستحقاق أو استمراره مشروط بعدم الإتيان بالمعصية) وجه حسن، لأن الامور الوضعية، رفعها و وضعها، و تبسيطها، و تضييقها، بيد المقنّن و المشرّع. و عندئذ يُجمع بين حكم العقل، بلزوم الوفاء بالوعد، و ما دلّ من الآيات على وجود الإحباط في موارد مختلفة، كما سيوافيك. و قد عرفت حاصل الجمع، و هو أن إطلاق الإحباط ليس لإبطال استحقاق الانسان الثواب، بل لم يكن مستحقاً من رأس، لعدم تحقق شرط الثواب. و أما مصحح تسميته بالإحباط فقد عرفته أيضاً، و هو أن ظاهر العمل كان يحكي عن الثواب و كان جزء علة له.
و لو قلنا بالوجه الثاني، و حاصله أن الملكات الحسنة و السيئة التّي تعدّ فعليات للنفس، تحصل بسبب الحسنات و السيّئات التّي كانت تصدر من النفس. فاذا قامت بفعل الحسنات، تحصل فيها صورة معنوية، مقتضية لخلق الثواب. كما أنّه إذا صدر منها سيئة، تقوم بها صورة معنوية تصلح لأن تكون مبدأً لخلق العقاب. و بما أنّ الانسان في معرض التحول و التغيير من حيث الملكات النفسانية، حسب ما يفعل من الحسنات و السيئات، فانّ من الممكن بُطلان