الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦١
و الجواب: إنّ المراد من قوله سبحانه: (قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)، ليس أنّه هو الشفيع دون غيره، إذ من الواضح أنّه سبحانه لا يشفع لأحد عند الغير، بل المراد أنّه المالك لمقام الشفاعة دون غيره، فليس في الوجود من يملك المغفرة و الشفاعة وغيرهما مما هو من شؤونه سبحانه، غيره.
و لكن هذا لا ينافي أنْ يملكها الغير بتمليك منه سبحانه، و في طول ملكه، كما هو صريح قوله سبحانه: (وَ لاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ )[١]، فإن الاستثناء في قوله (إلاّ) يرجع إلى قوله: (لا يَمْلكُ). فتكون النتيجة أنّه يملك من شهد بالحق، الشفاعة، لكن بتمليك منه سبحانه: فهو المالك بالأصالة، و غيره مالك بالتمليك و العَرَض.
و ليس هذا مختصاً بالشفاعة المصطلحة بل الشفاعة التكوينية أيضاً كذلك، لأن الأثر الطبيعي لجميع الأسباب التكوينية، يرجع إليها لكن بتسبيب منه سبحانه، فلولا أنّه جعل النار حارة، و الشمس مضيئة، و القمر نوراً، لا تجد فيها تلك الآثار.
الوجه الخامس:
أنّ طلب الشفاعة من الميت أمر باطلٌ .
و الجواب: أنّ هذا آخر سهم في كنانة القائلين بحرمة طلب الشفاعة من أولياء اللّه الصالحين، و الإشكال ناجم من عدم التعرف على مقام الأولياء في كتاب اللّه الحكيم. و قد عرفت أنّ القرآن يصرّح بحياة جموع كثيرة من الشهداء وغيرهم، كما عرفت أنّه يصرح بكون النبي شهيداً على الأمة في قوله سبحانه: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَ جِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً)[٢]. فهل تعقل الشهادة بدون الحياة، و الاطّلاع على ما يجري بينهم من الأُمور، من كفر و إيمان و طاعة و عصيان؟. فلو كان النبي ميّتاً كسائر الأموات، فما معنى التسليم
[١] سورة الزخرف: الآية ٨٦ .
[٢] سورة النساء: الآية ٤١ .