الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦٠
و الجواب
إنّ القول بأنّ دعاء الغير في جميع الظروف مساوق للعبادة، شيء لا أساس له، و إلا يلزم أنْ لا يُسَجّل اسم أحد في سجل الموحدين، فإنّ الناس لا ينفكّون عن التعاون، و استعانة بعضهم ببعض، و دعوة الواحد منهم الآخر. و على ذلك فيجب أن يقال إنّ قسماً- فحسب - من الدعاء مساوق للعبادة، و هو دعاء الشخص بما أنّه إله، وبما أنّه رب، وأو بما أنّه مفوّض إليه أفعاله سبحانه. فدعاؤه بهذه الخصوصيات، مساوق لعبادته.
و الآية ناظرة إلى هذ القسم من الدعاء بقرينة قوله (مَعَ اللهِ)، معرباً عن أنّ الداعي يرى المدعو مشاركاً للّه سبحانه في مقام أو مقامات، و من المعلوم أنّ الدعاء بهذه الخصوصية شرك بلا إشكال، و المشركون في الجاهلية، كانوا يسوون بين الأوثان و رب العالمين، و يدل عليه قوله سبحانه - حاكياً قولهم يوم القيامة -:(تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[١].
فأي كلمة أظهر من التعبير عن عقيدة المشركين في حق الأوثان بأنها كانت عندهم و رب العالمين، سواسية .
فقياس دعوة الصالحين من الأنبياء و الأولياء، بدعوة الأصنام و الأوثان، قياس مع الفارق البالغ، لا يعتمد عليه إلا من سبق له الرأي في هذا المجال، و يريد التمسك بالطحلب و الحشيش .
الوجه الرابع:
إنّ الشفاعة حق مختص باللّه لا يملكه غيره، و على ذلك فطلبها من غير مالكها أمر غير صحيح، قال سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَ لاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا...)[٢].
[١] سورة الشعراء: الآيتان ٩٧ ـ ٩٨ .
[٢] سورة الزمر: الآيتان ٤٣ ـ ٤٤ .