الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٣
* الاشكال الثالث:
ان الشفاعة لا تتحقق الا بترك الارادة و فسخها لطلب الشفيع رفع العقاب عن المشفوع له من غير فرق بين الحاكم العادل والحاكم الظالم غاية الأمر ان الحاكم العادل لا يقبل الشفاعة الا اذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به كأن أخطأ ثم عرف الصواب و رأى العدل في خلاف ما أراده او حكم به و أما الحاكم الظالم، فهو يقبل الشهادة لكن مع العلم بصواب الحكم الأوّل وكونه عدلاً لكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب عنده على العدالة و كلا النوعين محال على الله لأنّ إرداته تعالى على حسب علمه و علمه أزلي لا يتغير.[١]
و الجواب:
ان المستشكل لو أمعن في حقيقة الشفاعة التّي نطق بها القرآن و الأحاديث لما جعل الشفاعة من هذ الباب. بل هي من واد آخر و من باب تغيير الحكم لأجل تغيّر الموضوع فالخمر ما دام خمراً حرام، فاذا تبدل الى الخل يكون حلالاً و لا يعد الحكم الثاني ناقضاً للحكم الأوّل.
و نظير ذلك العاصي و التائب فان العصيان حالة نفسانية في الانسان فله حكمه الخاص كما ان التوبة حاكية عن حالة نفسانية مغايرة للحالة الأُولى فلها حكمها الخاص و الاختلاف في الحكمين لاجل الاختلاف في الموضوعين و لا يعد ذلك تبدلاً في العلم بل تبدلاً في المعلوم.
و على هذا الاساس فالعاصي مجرداً عن انضمام الشفاعة اليه محكوم بالعقاب ولكنه - منضمة اليه الشفاعة - محكوم بحكم آخر من أوّل الأمر، و اختلاف الحكمين لأجل اختلاف الموضوعين في الاطلاق و التقييد.
و ان شئت قلت: ان العاصي مجرداً عما يمر عليه في البرزخ من العذاب،
[١] المنار ج ١ ص ٣٠٧ و قد تبنى مؤلفه هذا الاشكال و ما يليه !!