الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٩
وعلى ضوء هذا، إن الشفاعة عند الأمم، مرفوضها ومقبولها، يراد منها حط الذنوب، و رفع العقاب، و هي كذلك في الإسلام، بلا فرق، كما يوضحه قوله صلى الله عليه آله:« ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي».[١]
و في المقابل ذهبت المعتزلة إلى تخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة، دون العصاة، و أن اثرها ينحصر في رفع الدرجة و زيادة الثواب. و ما هذا التأويل في آيات الشفاعة إلا لأجل موقف مسبق لهم في مرتكب الكبيرة، حيث حكموا بخلوه في النار إذا مات بلا توبة، فلما رأوا أن القول بالشفاعة التّي أثرها هو إسقاط العقاب، ينافي ذلك المبنى، أوّلوا آيات الله، فقالوا إنّ أثر الشفاعة إنما هو زيادة الثواب، ورفع الدرجة. و هذا المقام أحد المقامات التّي يؤخذ المعتزلة فيها بالعتاب، حيث قدّموا النهج على النقل الصريح، وخالفوا في ذلك جميع المسلمين.
قال القاضي عبد الجبار، منكراً شمول الشفاعة للعصاة: «إنّ شفاعة الفساق الذين ماتوا على الفسوق و لم يتوبوا تتنزل منزلة الشفاعة لمن قتل و لد الغير وترصد للآخر حتى يقتله، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك ها هنا.[٢]
وما ذكره القاضي غفلة منه عن شروط الشفاعة فان بعض الذنوب الكبيرة تقطع العلائق الايمانية بالله سبحانه كما تقطع الاواصر الروحية مع النبي الأكرم فأمثال هؤلاء العصاة لا تشملهم الشفاعة وقد تقدم ذكر النصوص الدالة على حرمان طوائف منها.
و العجب ان القاضي استدل على ان الفاسق لا يخرج من النار بشفاعة النبي بقوله تعالى: (وَ اتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً)[٣]. و قوله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ )[٤].
[١] سنن أبي داود، ج ٢، ص ٥٣٧، و صحيح الترمذي، ج ٤، ص ٤٥، صحيح ابن ماجه، ج ٢، ص ١٤٤١. مسند أحمد، ج ٣، ص ٢١٣.
[٢] شرح الأُصول الخمسة، ص ٦٨٨ .
[٣] سورة البقره: الآية ٤٨ .
[٤] سورة غافر: الآية ١٨ .