الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٧
دماءهم و أموالهم إلاّ بحقها، و حسابهم على اللّه»[١].
و بذلك يظهر وجه حكمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السوداء بأنها مؤمنة. روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال : رُب رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «إنّي لم أُبْعَثُ لأشُقّ عن قلوب الناس». [٢]
و كيف يكتفي القائل بالتصديق اللساني، مع أنّ صريح الكتاب على خلافه، قال سبحانه: (قَالَتِ الاَْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِْيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)[٣] والأعراب صدّقوا بألسنتهم، و أنكروا بقلوبهم فرد اللّه عليهم بأنّكم لستم مؤمنين لأنّكم مصدّقون بألسنتكم لا بقلوبكم.
الثالث: إنّ الإيمان هو التصديق بالقلب و اللسان مع العمل، فالعمل عنصر حقيقي مقوّم للإيمان، و الفاقد له ليس بمؤمن بتاتاً، و القائلون بهذا هم الخوارج و المعتزله[٤]، غير أنّ بينهما فرقاً في المقام.
فالخوارج يرون العمل مقوّماً للإيمان، فالمقرّ قلباً و لساناً إذا فقد العمل، ارتكب الكبيرة، فقد صار كافراً، و لأجل ذلك يُكفّرون مرتكب الكبيرة، و يحكمون عليه بالخلود في النار، اذا لم يتب.
و المعتزلة، مع أنّهم يرون العمل مقوّماً للإيمان، غير أنّهم لا يُكَفّرون تارك العمل، و مرتكب الكبيرة، بل يجعلونه في منزلة بين الإيمان و الكفر، و المكلف عندهم على ثلاث حالات:
إيمان، اذا قام بالتصديقين، و عمل بالوظائف.
و كُفْر، إذا فقد التصديق القلبي، أو هو واللساني .
و منزلة بين المنزلتين إذا قام بالتصديقين، و لكن فقد العمل.
[١] الفصل، ج ٣، ص ٢٠٦ .
[٢] المصدر السابق نفسه.
[٣] سورة الحجرات: الآية ١٤ .
[٤] شرح الأصول الخمسة، ص ١٣٩ .