الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٢
الأرواح إلى الأبدان في النشأة الأخرى، لأنّ المفروض ان الروح تنتقل الى الأبد من بدن إلى بدن، بلا توقف، فلا مجال للنفس لكي تبعث في النشأة الأُخرى. و لعل أصحاب هذه النظرية ـ لقلّة تدبّرهم ـ حسبوا هذا النوع من الانتقال للنفس معاداً لها، فالمعاد عندهم هو انتقال النفس من بدن الى بدن في هذه النشأة دون أن تكون هناك نشأة اخرى.
و يردّها ان النفس عند هؤلاء لا تخلو من إحدى حالتين: إما أن تكون منطبعة في البدن، انطباع الأعراض في الجواهر، و الصور الجوهرية في المادة، فهي ممتنعة الانتقال، اذ الانطباع ينافي الانتقال، والجمع بينهما جمع بين النقيضين، فانه يستلزم أن تكون النفس في حال الانفصال موجودة بلا موضوع، و متحققة بلا محل.
أو تكون مجرّدة تجرداً تاماً، و مع ذلك تكون دائمة الانتقال في الاجسام من غير لحوق بعالم النور و هو باطل أيضاً اذ العناية الالهية، تقتضي ايصال كل ذي كمال الى كماله، وكمال النفس العلمي يتحقق بصيرورتها عقلا مستفاداً[١]، فيه صور جميع الموجودات، و كمال العقل العملي يتحقق بالتخلية عن رذائل الأخلاق، و التحلية بمكارمها. فلو كانت دائمة الانتقال، كانت ممنوعة عن كما لها، أزلا و أبداً، و العناية الأزلية تأبى ذلك.[٢]
و بعبارة أُخرى: إنّ النفس الانسانية مستعدة لافاضة الكمالات عليها، فحبسها في الصياصي البدنية في هذه النشأة، و ايقافها عن الصعود إلى النشأة الأُخرى، يخالف الحكمة الالهية المتعلقة بابلاغ كل ممكن الى غايته الممكنة.
* * *
[١] العقل المستفاد أحد مراتب العقل الأربعة المصطلح عليها في الحكمة النظرية: و هي عبارة عن: ١ ـ العقل الهيولاني، ٢ ـ العقل بالملكة، ٣ ـ العقل بالفعل، ٤ ـ العقل المستفاد، راجع في توضيحها شرح المنظومة للحكيم السبزواري، قسم الطبيعيات، مباحث النفس، ص ٣٠٦ ـ ٣٠٧.
[٢] شرح حكمة الإشراق المقالة الخامسة، الفصل الأول، ص ٤٧٦، و الأسفار، ج ٩ الباب الثامن، الفصل الثاني.