الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٣
الجنة، ودخل ولىّ الله إلى جنانه ومساكنه، واتكأ كل مؤمن منهم على أريكته، حفته خدّامه وتهدلت عليه الثمار، وتفجرت حوله العيون، وجرت من تحته الأنهار، وبسطت له الزرابي، وصففت له النمارق، وأتته الخدام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك، قال :ويخرجون عليهم الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ماشاءالله.
ثم إنّ الجبار يشرف عليهم فيقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكان جنتي في جواري، هل أنبئكم بخير ممّا أنتم فيه، فيقولون ربنا وأي شيء خير مما نحن فيه، نحن فيما اشتهت أنفسنا، ولذّت أعيننا من النعم في جوار الكريم، قال فيعود عليهم بالقول، فيقولوا: ربّنا نعم، فائتنا بخير ممّا نحن فيه، فيقول لهم تبارك وتعالى: رضائي عنكم ومحبتي لكم خير وأعظم ممّا أنتم فيه، قال: فيقولون نعم ياربنا، رضاك عنا ومحبتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا. ثم قرأ علي بن الحسين هذه الآية:(وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ مَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[١].
٢ ـ ألم الابتعاد عن رحمة الله
إذاكان إ دراك رضوان المعبود أعظم اللذات العقلية، فادراك الابتعاد عن رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، من أعظم الآلام العقلية. ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يوعد المنافقين والكفار بالنّار، ويعقبه بلعنهم. فكأنّ هناك أ لمينْ: جسمي هو التعذيب بالنار، وعقلي، و هو إدراكهم ألم الابتعاد عن رحمته.
يقول سبحانه: (وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ)[٢].
و يظهر عظم هذا الألم، بوقوع هذه الآية قبل آية الرضوان فكأنّ الآيتين
[١] بحار الأنوار، ج ٨، ص ١٤٠، كتاب العدل والمعاد، الحديث ٥٧.
[٢] سورة التوبة: الآية ٦٨.