الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٤
الباطل، والصدق من الكذب، والعدل من الظلم، والرذيلة من الفضيلة. ولأجل هذه السّعة في معنى الميزان يقول سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[١]، فلا معنى لتخصيص الميزان هنابما توزن به الأثقال، مع أنّ الهدف من إرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان هو قيام الناس بالقسط في جميع شؤونهم العقيدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبذلك يعلم أنّ تفسير الميزان بالعدل، أوبالنبي، أو بالقرآن، كلّها تفاسير بالمصداق، فليس للميزان إلاّ معنى واحد هو: مايوزن به الشيء، وهو يختلف حسب اختلاف الموزون من كونه جسماً أو حرارة أو نوراً أو ضغطاً أو رطوبةً أو غير ذلك .
يقول صدرالمتألهين ـ رحمه الله ـ: «ولو تأملوا قليلاً في نفس معنى الميزان، وجرّدوا حقيقة معناه عن الزوائد والخصوصيات، لعلموا أنّ حقيقة الميزان ليس يجب أن يكون البتة مما له شكل مخصوص، أوصورة جسمانية، فإنّ حقيقة معناه وروحه وسّره، هو مايقاس ويوزن به الشيء، والشيء أعمّ من أن يكون جسمانياً أو غير جسماني، فكما أنّ القبّان، وذا الكفتين وغيرهما ميزان للأثقال، والاسطرلاب ميزان للارتفاعات والمواقيت، والشاقول ميزان لمعرفة الأعمدة، والمسطر ميزان لاستقامة الخطوط، فكذلك علم المنطق ميزان للفكر في العلوم النظرية، وعلم النحو ميزان للإعراب والبناء، والعروض ميزان للشعر، والحسّ ميزان لبعض المدركات، والعقل الكامل ميزان لجميع الأشياء، وبالجملة ميزان كل شيء يكون من جنسه، فالموازين مختلفة والميزان المذكور في القرآن ينبغي أن يحمل على أشرف الموازين وهو ميزان يوم الحساب، كما دلّ عليه قوله تعالى: (وَ نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)[٢] وهو ميزان العلوم وميزان الأعمال القلبية، الناشئة من الأعمال البدنية»[٣].
ويؤيد ذلك أنّه سبحانه يصف الميزان بكونه منزلاً من جانبه سبحانه، كمافي الآية السابقة ويقول:(اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَق وَ الْمِيزَانَ وَ مَا يُدْرِيكَ
[١]سورة الحديد: الآية ٢٥.
[٢] سورة الأنبياء: الآية ٤٧.
[٣]الأسفار، ج٩ ص ٢٩٩.