الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٨
قُلُوبُكُمْ)[١].
وليس ذلك في وسع الإنسان العادي إذا كان حاضراً عند المشهود عليه، فضلاً عن كونه غائباً، وهذا يدلّنا على أنّ المراد رجال من الأُمّة لهم تلك القابلية، بعناية من الله تعالى، فيقفون على حقائق أعمال الناس من إخلاص ورياء، وانقياد وتمرد، ويؤدّون ذلك يوم القيامة. وهذه الكرامة ليس ينالها جميع الأُمّة، بل الأولياء الطاهرون منهم، لا المتوسطون في الإيمان، فضلاً عن الملوثين بالمعاصي والملطخين بالجرائم .
وقد التجأ بعضهم إلى جعل متعلق الشهادة كون الأمّة على دين جامع ووسط، وهو بمعزل عن التحقيق، إذ ليس ذلك شهادة بشيء، وقد وردت لفظة الشهادة بمعنى واحد في جميع القرآن، في آياته المختلفة.
وبذلك يظهر معنى قوله سبحانه:(وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)[٢]. فالخطاب متوجّه إلى الأُمّة، والمراد بعضهم ممن أُعطيت لهم هذه الكرامة.
وهناك وجه آخر لما ذكرنا، وهو أنّ أقلّ مايعتبر في الشهود هوالعدالة والتقوى، والصدق والأمانة، والأكثرية الساحقة من الأُمّة، يفقدون ذلك، وهم لا تقبل شهادتهم على صاع من تمر أو باقة من بقل، فكيف تقبل شهادتهم يوم القيامة؟!
وإلى هذا تشير رواية الزبيري عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال الله تعالى:(وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)[٣]، فإن ظننت بأنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية. كلا، لم يعن الله
[١]سورة البقرة :الآية ٢٢٥.
[٢] سورة الحج: الآية ٧٨ .
[٣]سورة البقرة :الآية :١٤٣ .