الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٣٨
خلاف فيه بين الأُمّة إلاّ شيء يحكى عن ضرار بن عمرو، وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة، ولا يقرّون به»، ثم استدلّ بآيات على حياة الإنسان في البرزخ. [١]
هذا كلّه ممّا لاريب فيه، إنّما الكلام فيما هو المراد هنا من القبر، والإمعان في الآيات الماضية التّي استدللنا بها على الحياة البرزخية، والروايات الواردة حول البرزخ، يعرب بوضوح عن أنّ المراد من القبر، ليس هو القبر المادي الّذي يدفن فيه الإنسان، ولا يتجاوز جثّته في السّعة، وإنّما المراد منه هو النشأة التّي يعيش فيها الإنسان، بعد الموت وقبل البعث، وإنّما كنّى بالقبر عنها، لأنّ النزول إلى القبر يلازم أو يكون بدءاً لوقوع الإنسان فيها.
والظاهر من الروايات تعلّق الروح بأبدان تماثل الأبدان الدنيوية، لكن بلطافة تناسب الحياة في تلك النشأة، وليس التعلق بها ملازماً لتجويز التناسخ، لأنّ المراد من التناسخ هو رجوع الشيء من الفعلية إلى القوة، أعني عودة الروح إلى الدنيا عن طريق النطفة فالعلقة، فالمضغة إلى أن تصير إنساناً كاملاً، وهذا منفى عقلاً وشرعاً، كما سيوافيك. ولا يلزم هذا في تعلّقها ببدن ألطف من البدن المادي، في النشأة الثانية .
قال الشيخ البهائي: « قد يتوهم أنّ القول بتعلق الأرواح، بعد مفارقة أبدانها العنصرية، بأشباح أُخر - كما دلّت عليه الأحاديث - قولٌ بالتناسخ، وهذا توهّمٌ سخيف، لأنّ التناسخ الّذي أطبق المسلمون على بطلانه، هو تعلّق الأرواح بعد خراب أجسادها، بأجسام أُخر في هذا العالم، وأمّا القول بتعلّقها في عالم آخر، بأبدان مثالية، مدّة البرزخ، إلى أن تقوم قيامتها الكبرى، فتعود إلى أبدانها الأولية بإذن مبدعها فليس من التناسخ في شيء»[٢].
قال الرازي: «إنّ المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردّها إلى الأبدان،
[١] شرح الأُصول الخمسة، ص ٧٣٠ .
[٢]البحار،ج١،ص٢٧٧.