الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٩
صَرَت نظرة لو صادف جوز دارع * غداً والعواصي من دم الجوف تنعر[١]
فإن جعل من «صَير» يكون بمعنى «أمِلهُنَّ إليك»، ويجب عند ذلك تقدير كلمة اقطعهن، لدلالة ظاهرة الكلام عليه، فيكون معنى الآية. أملهنّ إليك ، فقطِّعهُنَّ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً، مثل قوله: (اضرِب بعصاكَ البَحرَ فَانفَلَقَ)[٢]، أي فضرب فانفلق .
وإن جعل من«صري»، تكون الكلمة متضمنة معنى الميل بقرينة تعدّيها بـ «إلى»، فيكون المعنى: اقطعهنّ متمايلات إليك، كتمايل كل طير إلى صاحبه .
وعلى كل تقدير، فالآيه تدل على أنّ إبراهيم قطّعهنّ وخلط أجزاءهنّ، ثم فرقها على الجبال، ثم دعاهن، فأتَينه سعيا.
ومن غريب التفسير، ماذكره صاحب المنارفقال في معنى الآيه ماحاصله: خذ أربعة من الطّير فضمها إليك، وآنسها بك، حتى تستأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك إذا دعوتها، فإن الطيور من أشّد الحيوانات استعداداً لذلك، ثم اجعل كل واحد منها على جبل، ثم ادعها، فانها تسرع إليك من غير أن يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها، كذلك أمرربك إذا أراد إحياء الموتى، يدعوهم لكلمة التكوين: «كونوا أحياء»، فيكونون أحياء، كما كان شأنه في بدء الخلقه في بدء الخلقه، ذلك إذ قال للسموات والأرض:(ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)[٣] قال: والدليل على ذلك من الآية قوله تعالى:(فَصُرْهنَّ)، فإن معناه «أملهن»، أي «أوجد ميلاً بها، وأُنسها بك ويشهد به تعديته بإلى، فإنّ صار إذاتعدى بإلى كان بمعنى الإمالة»[٤].
[١]معاني القرآن :ج ١ص ١٧٤. الشعر: «صَرَت نَظَرة»: أي قطعت نظرة، أي فعلت ذلك، والجوز وسط الشيء والعواصي جمع العاصيوهوالعِرق، ويقال نعرالعِرق: فار منه الدم .
[٢]سورة الشعراء:الآية ٦٣.
[٣]سورة فصلت الآيه١١.
[٤]لاحظ تفسير المنار، ج٣، ص ٥٥ ـ ٥٨ : وذكر وجوهاً في دعم هذه النظرية التّي نقلها عن أبي مسلم، وقد استحسنها في آخر كلامه وقال: «ولله درّ أبي مسلم، ما أدقّ فهمه وأشدّ استقلاله فيه».