الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٣
المراحل السابقة، فيعطفها بالفاء، و يقول فخلقنا العلقة... فخلقنا المضّغة... فكسونا العظام... و هذا يدل على تغاير هائل بين هذه المرحلة و المراحل السابقة.
ثانياً: يستعمل في بيان خلقه هذه المرحلة لفظة الإنشاء، بمعنى الإبداع، و إنشاء شيء بلا مثال قبله، و هو أيضاً يدل على مغايرة هذه المرحلة لما سبقها من المراحل، مغايرةً جوهريّةً.
و ثالثاً: إنّه سبحانه بعدما يقرر خلقه هذه المرحلة، يثني على نفسه، مما يعرب عن اختلاف هذه المرحلة مع ما تقدمها، و امتيازها عنها امتيازاً جوهرياً.
و هذه الوجوه، تكفي في دلالة الآية على أنّ المنشأ في هذه المرحلة شيء لا يشبه المنشآت السابقة، و يختلف عنها جوهراً، و حيث إنّ المنشآت السابقة من سنخ تكامل المادة، فيكون المنشأ في هذه المرحلة، منشأ غير مادي، و هو تعلّق النفس المجردة بالبدن في تلك المرحلة.
إلى هنا تم إيراد الآيات الصريحة في المطلوب، و يقع الكلام بعده في القسم الثاني من الآيات، و هي التي يستظهر منها الدلالة على تجرد الروح، و إن كانت قابلة للحمل على معان أُخرى.
القسم الثاني من الآيات
أ ـ يقول سبحانه: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً )[١].
و تتضح الدلالة إذا أمعنّا أنّه سبحانه يخص النجاة ببدن فرعون، و يقول: (بِبَدَنِكَ)و هذا يعرب عن أنّ هناك شيء آخر لا يشمله النجاة، و يقع مورد العذاب.
أضف إلى ذلك خطابه سبحانه، أعني قوله: (نُنَجِّيك)، فإنه يدلّ على أنّ
[١] سورة يونس: الآية ٩٢.