الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٨
خاضع لهما بالقوة، وإذا عجز الإنسان عن تقسيم ذلك الموجود، فلأجل فقدانه أدواته اللازمة. ولأجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه، بطلان الجزء الذي لا تتجزّأ. وما يسمّيه علم الفيزياء، جزءاً لايتجزأ، فإنّما هو غير متجزّئ بالحسّ، لعدم الأدوات اللازمة، وأمّا عقلاً فهو منقسم مهما تناهى الانقسام، لأنّه إذا لم يمكن الانقسام، وعجز الوهم عن استحضار ما يريد أن يقسّمه ـ حتى بالمكبرات ـ بسبب صغره، يفرض العقل فيه شيئاً غير شيء، فحكم بأنّ كل جزء منه يتجزّأ إلى غير النهاية، ومعنى عدم الوقوف أنّه لا ينتهي انقسامه إلى حدّ إلاّ ويتجاوز عنه [١].
و من جانب آخر، كلّ واحد منّا إذا رجع إلى ما يشاهده في صميم ذاته، ويعبّر عنه بـ«أنا»، وجده معنىً بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّي، فارتفاع أحكام المادة دليل، على أنّه ليس بمادي.
إنّ عدم الانقسام لا يختص بما يجده الإنسان في صميم ذاته ويعبّر عنه بـ«أنا»، بل هو سائد على وجدانياته أيضاً من حبّ، وبغض، وإرادة، وكراهة، و تصديق، وإذعان. وهذه الحالات النفسانية، تظهر فينا في ظروف خاصة ، ولا يتطرق إليها الانقسام الذي هو من أظهر خواص المادة.
إعطف نظرك إلى حبك لولدك، وبغضك لعدوك فهل تجد فيهما تركّباً؟ وهل ينقسمان إلى جزء فجزء؟ كلا، ولا.
فإذا كانت الذات والوجدانيات غير قابلة للانقسام، فلا تكون منتسبةً إلى المادة التي يعدّ الانقسام من أظهر خواصّها.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ الروح وآثارها، والنفس والنفسانيات، كلّها موجودات واقعية خارجة عن إطار المادة، ومن المضحك قول المادي إنّ التفحص، و التفتيش العلمي في المختبرات لم يصل إلى موجود غير مادي، حتى نذعن بوجوده، فقد عزب عنه أنّ القضاء عن طريق المختبرات يختصّ بالأُمور المادية، وأمّا ما يكون
[١] لاحظ شرح المنظومة، للحكيم السبزواري، ص ٢٠٦.