الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٦
و مستمرة في مهبّ التغيرات، وهذا آية التجرّد.
أمّا المقدمة الأُولى، فلا تحتاج إلى بحث كثير، لأنّ كل واحد ينسب أعضاءه إلى نفسه ويقول يدي، رجلي، عيني، أذني، قلبي،... كما ينسب أفعاله إليها، ويقول: قرأت، كتبت، أردت، أحببت، وهذا مما يتساوى فيه الإلهي والمادي ولا ينكره أحد، وهو بقوله «أنا» و «نفسي»، يحكي عن حقيقة من الحقائق الكونية، غير أنّ اشتغاله بالأعمال الجسمية، يصرفه عن التعمّق في أمر هذا المصدر والمبدأ، وربما يتخيل أنّه هو البدن، ولكنه سرعان ما يرجع عنه إذا أمعن قليلاً حتى أنّه ينسب مجموع بدنه إلى تلك النفس المعبّر عنها بـ «أنا».
و أمّا المقدمة الثانية، فكل واحد منا يحسّ بأنّ نفسه باقية ثابتة في دوامة التغيرات والتحوّلات التي تطرأ على جسمه، فمع أنّه يتصف تارة بالطفولة، وأُخرى بالصبا، وثالثة بالشباب، وأخيراً بالكهولة، فمع ذلك يبقى هناك شيء واحد تسند إليه جميع هذه الحالات، فيقول: أنا الذي كنت طفلاً ثم صرت صبياً، فشاباً، فكهلاً، وكل إنسان يحسّ بأنّ في ذاته حقيقة باقية وثابتة رغم تغير الأحوال وتصرم الأزمنة، فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمراً مادياً، مشمولاً لسنّة التغيّر، والتبدّل، لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد، حتى يقول: أنا الذي كتبت هذا الخط يوم كنت صبياً أو شاباً، فلولا وجود شيء ثابت ومستمر إلى زمان النطق، للزم كذب القضية، وعدم صحتها، لأنّ الشخصية التي كانت في أيام الصبا، قد زالت ـ على هذا الفرض ـ وحدثت بعدها شخصية أُخرى.
لقد أثبت العلم أنّ التغيّر والتحوّل من الآثار اللازمة للموجودات المادية، فلا تنفك الخلايا التي يتكون منها الجسم البشري، عن التغير والتبدّل، فهي كالنهر الجاري تخضع لعملية تغيير مستمر، ولا يمضي على الجسم زمن إلاّ وقد احتلّت الخلايا الجديدة مكان القديمة. وقد حسب العلماء معدل هذا التجدد، فظهر لهم أنّ التبدّل يحدث بصورة شاملة في البدن، مرة كل عشر سنين.
و على هذا، فعملية فناء الجسم المادي الظاهري مستمرة، ولكن