الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٢
و ثانيهما: قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)[١].
و الجواب الأوّل راجع إلى بيان باعث الإنكار، وهو أنّ السبب الواقعي لإنكار المعاد، ليس ما يتقوّلونه بألسنتهم من الضلالة في الأرض، وإنّما هو ناشئ من تبنيّهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء الله، فصار ذلك مبدأً لطرح هذه الشبهات.
و الجواب الثاني جواب عقلي عن هذا السؤال، وتعلم حقيقته بالإمعان في معنى لفظ التوفي، فهو وإن كان يفسّر بالموت، ولكنّه تفسير باللازم، و المعنى الحقيقي له هو الأخذ تماماً، وقد نصّ على ذلك أئمة أهل اللغة، قال ابن منظور في اللسان: «توفّي فلان وتوفاه الله، إذا قبض نفسه، وتَوفَّيْت المال منه، واستوفيته، إذا أَخَذته كلّه. وتوفيت عدد القوم، إذا عددتهم كلهم. وأنشد أبو عبيدة:
إنّ بني الأدرد ليسوا من أحد * و لا توفّاهم قريش في العدد
أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم» [٢].
و آيات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك، يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)[٣]. فإنّ لفظة «التي»، معطوفة على الأنفس، وتقدير الآية: يتوفى التي لم تمت في منامها. ولو كان التوفي بمعنى الإماتة، لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها حينئذ: الله يميت التي لم تَمُتْ في منامِها. وهل هذا إلاّ تناقض؟ فلا مناص من تفسير التوفّي بالأخذ، وله مصاديق تنطبق على الموت تارة، كما في الفقرة الأُولى،على الإنامة أُخرى، كما في الفقرة الثانية.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى قوله سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، فمعناه: يأخذكم ملك الموت الذي وكّل بكم ثم إنّكم إلى الله ترجعون. وهذا
[١] سورة السجدة: الآية ١١.
[٢] لسان العرب، ج ١٥، ص ٤٠٠، مادة «وفى».
[٣] سورة الزمر: الآية ٤٢.