الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩
المُهِمّ، شرطاً وصفةً، مع أنّه بَيَّن أبسط الأشياء وأدناها، من المكروهات والمستحبات.
وثانياً: إنّ اعتبار العدالة لا ينسجم مع ما ذهبوا إليه من أنّ الإمام لا ينخلع بفسقه وظلمه، وغيره ممّا نقلناه عنهم.
كما أنّهم جعلوا القَهْرَ والإستيلاء، أحد الأُمور الّتي تنعقد بها الإمامة ـ كما سيأتي ـ وتجعل المستولي والقاهر ولي أَمر، يشمله قوله سبحانه: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ)[١]. ومن المعلوم أنّ القاهر والمستولي بالحرب والنّار، لا يهمه إلاّ السلطة وإعمال القدرة، سواءٌ أَجْتَمَعَت فيه هذه الشروط أَوْ لا. أفهل يجب إطاعة مثل هذا؟
حيث أنّ وجوب طاعته لا ينسجم مع اعتبار هذه الشروط ; وعدم وجوب طاعته لا ينسجم مع كون القهر والغلبة من الأُمور الّتي تنعقد بها الإمامة.
وثالثاً: إنّ التاريخ الإسلامي يشهد بأنّ الخلَفاء بعد عليّ ـ عليه السَّلام ـ ، كانوا يفقدون أكثر هذه الصلاحيات ومع ذلك يمارسون الخلافة.
فهذه صحائف تاريخهم، من لدن تَسَنُّمِ معاوية عرش الخلافة، إلى آخر خلفاء بني مروان، خضبوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا الصحابة والتابعين، ونهبوا الديار والأموال، وقد بلغ جورهم وظلمهم الذروة، حتى ثارت عليهم الأُمّة، وقتلت صغيرهم وكبيرهم، فلم يبق منهم إلاّ مَنْ فرَّ إلى الأندلس. وبَعْدَهم تسلّط العباسيون، باسم حماية أهل البيت، ولكن حدث ما حدث، ولم تكن سيرتهم أَحسن حالاً من سيرة الأمويين، حتى قال القائل :
يا لَيْتَ جَوْرَ بني مَرْوانَ دام لنا * ولَيْتَ عَدْلَ بني العبّاسِ في النارِ
***
[١] سورة النساء: الآية ٥٩ .