الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٧
و تقلّباتها من صورة النقص إلى صورة أكمل، ومن حال أدون إلى حال أعلى، فالغرض من ذكرها، إثبات أنّ لهذه الأطوار والتحولات غاية أخيرة، فللإنسان توجّه طبيعي نحو الكمال، ودين إلهي فطري في التقرّب إلى المبدأ الفعّال، والكمال اللائق بحال الإنسان المخلوق أوّلاً من هذه الطبيعة، وإلاّ كان لا يوجد في هذا العالم الأدنى، بل في عالم الآخرة التي إليها الرجعى، وفيها الغاية والمنتهى، فبالضرورة إذا استوفى الإنسان جميع المراتب الخلقية الواقعة في حدود حركته الجوهرية الفطرية، من الجمادية والنباتية، والحيوانية، وبلغ أشدّه الصوري، وتمّ وجوده الدنيوي الحيواني، فلابدّ أن يتوجه نحو النشأة الآخرة ويخرج من القوة إلى الفعل، ومن الدنيا إلى الأُخرى، ثم المولى، وهو غاية الغايات، ومنتهى الأشواق والحركات [١].
و في الآيات الكريمات إشارات إلى هذا البرهان، يفهمها الراسخون في الذكر الحكيم.
يقول سبحانه: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ )[٢].
و أنت إذا لاحظت هذه الآيات وما تقدمها ممّا يتكفل ببيان خلقة الإنسان،ترى لها إنسجاماً وترابطاً خاصّاً، فالله سبحانه يصف الإنسان بأنّه كان نطفة فعلقة فمضمغة، إلى أن أنشأه خلقاً آخر، ثم يوافيه الموت، ثم يبعث يوم القيامة، فكأنّ الآية تبيّن تطور الإنسان تدريجاً من النقص إلى الكمال، ومن القوة إلى الفعل، وأنّه منذ تكوّن يسير في مدارج الكمال، إلى نهاية المطاف وهو البعث يوم القيامة، فهذا غاية الغايات، ومنتهى الكمال.
و يمكن استظهار ذلك من قوله سبحانه: (وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَة إِذَا تُمْنى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى ) [٣]، بالبيان الماضي في الآية السابقة.
[١] الأسفار، ج ٩، ص ١٥٩.
[٢] سورة المؤمنون: الآيات ١٤ ـ ١٦.
[٣] سورة النجم: الآيات ٤٥ ـ ٤٧.