الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٩
و بشّره: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم )[١]. وأمّا ثانيهما، فقد بشرته به الملائكة عندما دخلوا عليه ضيوفاً، فقالوا: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم عَلِيم)[٢].
و على ذلك، يجب أن تكون الإمامة الموهوبة للخليل غير النبوة، وإلاّ كان أشبه بتحصيل الحاصل.
و الظاهر أنّ المراد من الإمامة، القيادة الإلهية للمجتمع، فإنّ هناك مقامات ثلاثة:
ـ مقام النبوة، وهو منصب تحمّل الوحي.
ـ مقام الرسالة، وهو منصب إبلاغه إلى الناس.
ـ مقام الإمامة، وهو منصب القيادة وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوة وقدرة.
و يعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث، قوله سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيًما)[٣].
فالإمامة التي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته، هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية. وعلينا الفحص عن المراد من الملك العظيم، إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الإمامة، وراء النبوة والرسالة، وإنّما هو قيادة حكيمة، وحكومة إلهيّة، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة. والله سبحانه يوضح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية:
١ـ يقول سبحانه ـ حاكياً قول يوسف ـ عليه السَّلام ـ ـ: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ )[٤].و من المعلوم أنّ الملك الذي منّ به
[١] لاحظ سورة الصافات، الآيات ٩١ ـ ١٠٢.
[٢] لاحظ سورة الحجر: الآيات ٥١ ـ ٥٥.
[٣] سورة النساء: الآية ٥٤.
[٤] سورة يوسف: الآية ١٠١.