الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٦
ولك أن تصب هذا الإستدلال في قالب القياس المنطقي، فتقول: إنّه سبحانه حكيم، والحكيمُ لا يجعل الكون ولا بعضَه مُسَخَّراً للكاذب، فالله سبحانه لا يجعل الكون ولا بعضه مسخراً للكاذب. ولكن المفروض أنّ هذا المدّعي مُسَخِّر للكون، فينتج أنّه ليس بكاذب بل صادق.
ولا بُدّ من الإشارة هنا إلى أنّ دلالة المعجزة على صدق دعوى النبوّة يتوقف على القول بالحسن والقبح العقليين، وأمّا الذين أعدموا العقل ومنعوا حكمه بهما، فيلزم عليهم سدّ باب التصديق بالنبوّة من طريق الإعجاز، لأنّ الإعجاز إنّما يكون دليلاً على صدق النبوّة، إذا قَبُح في العقل إظهار المعجزة على يد الكاذب، فإذا توقف العقل عن إدراك قبحه، واحتمل صحة إمكان ظهوره على يد الكاذب، لا يَقْدِرُ على التمييز بين الصادق والكاذب[١].
وفي بعض كلمات المتكلمين إشارة إلى ما ذكرنا. يقول القوشجي: «إنّما كان ظهور المعجزة طريقاً لمعرفة صدقه لأنّ الله تعالى يخلق عقيبها العلم الضروري بالصدق[٢]، كما إذا قام رجل في مجلس مَلِك بحضور جماعة، وادّعى أنّه رسول هذا الملك إليهم، فطالبوه بالحجة، فقال: هي (الحجة) أن يخالف هذا الملك عادته، ويقوم على سريره، ثلاث مرّات ويقعد، ففعل. فإنّه يكون تصديقاً له، ومفيداً للعلم الضروري بصدقه من غير ارتياب»[٣].
وقال المحقق الخوئي: «إنّما يكون الإعجاز دليلاً على صدق المدّعي، لأنّ المعجز فيه خرقٌ للنواميس الطبيعية، فلا يمكن أن يقع من أحد إلاّ بعناية من الله تعالى وإقدار منه. فلو كان مدّعي النبوّة كاذباً في دعواه، كان إقداره على المعجز
[١] وإن للفضل بن روزبهان الأشعري كلاماً في الخروج عن هذا المأزق، غير تام، فمن أراد فليرجع إلى دلائل الصدق، ج ١ ص ٣٦٦، وقد أوردناه في الجزء الأول من الكتاب وأجبنا عليه لاحظ ص ٢٤٧ ـ ٢٤٨.
[٢] هذا التعبير صحيح على منهج الأشاعرة من أنّ أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، ولكن الحق أنّ هذا العلم يوجَدُ في الإنسان بعد عدّة عوامل.
[٣] شرح القوشجي على التجريد، ص ٤٦٥ الطبعة الحجرية، ايران.