الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٤
وكما جاء في عيسى المسيح ـ عليه السَّلام ـ ، من قوله تعالى: (وَ رَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ)[١].
ولكن الكلام في وجه دلالة الاعجاز على صدق قولِ المدعي، فهل هو دليل برهاني بحيثُ يكون بين المعجزة وصدق المدّعي رابطةٌ منطقيةٌ، تستلزم الأولى معها، وجود الثانية؟ أو هو دليل إقناعي، يرضي عامة الناس وسوادهم ويجلب اعتقادهم بصدق دعوى المدّعي؟.
هناك من يتخيل أنّ دلالة المعجزة على صدق دعوى النبي، دلالة إقناعية لا برهانية، ويستدلّ هؤلاء المتوهمون، على مقالتهم، بأنّ الدليل البرهاني يتوقف على وجود رابطة منطقية بين المّدَّعَي والدليل، وتلك الرابطة غير موجودة في المقام. إذ كيف يكون خرق العادة وعجز الناس عن المقابلة، دليلاً على صدق المدّعي في كونه نبيّاً وحاملاً لشريعة إلهية. إذ لو صحّ ذلك لصحّ أن يقال: إنّ قيام الطبيب بعملية جراحية بديعة، دليلٌ على صدق مقاله في المسائل النجومية والفلكية. أو صدق تخطيطاته السياسية والاجتماعية. ومن المعلوم، انتفاء الرابطة المنطقية بينها.
ولأجل ذلك ـ يضيف المتوهم ـ لا يدلّ قيام المسيح بإحياء الموتى وإبراء المرضى، على صدق ما يدّعيه، بدلالة برهانية. وإنّما يُكتفى به، لأنّ مشاهدة هذه الأعمال العظيمة تجعل للقائم بها في نفوس الناس مكانةً عالية، بحيث يأخذ مجامع قلوبهم ويستولي على ألبابهم، فيقنعهم، ويجلب يقينهم بصدق دعواه.
هذا، ولكن الحق وجود الرابطة المنطقية بين الإعجاز ودعوى النبوة، ويمكن إثبات ذلك ببيانين:
البيان الأول لوجود الرابطة المنطقية
ويتّضح بملاحظة الأمور التالية، الّتي يسلمها الخصم أيضاً:
[١] سورة آل عمران: الآية ٤٩.