الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٧٧
القول الربع ـ إنّها نفس النبي وروحُه
وذهب إلى هذا جمع من الفلاسفة والمحققين، وإدراك صحته يتوقف على معرفة القدرة العظيمة الّتي تمتلكها النفس البشرية، فنقول:
إنّ الإنسان كلّما ازداد توجهاّ إلى باطنه، وانقطاعاً عن الظواهر المادية المحيطة به، كلما تفجّرت مكامن قدرات نفسه وتأجّج أوار طاقاتها، وابالعكس، كلما ازداد انغماساً في دركات الملذات، وإشباع الغرائز، كلما خمدت طاقاتها وانطفأت قدراتها.
ويدلّنا على ذلك عياناً، ما يقوم به المرتاضون[١] من خوارق الأفعال وعجائبها: فيرفعون الأجسام الثقيلة الّتي لا يتيسر رفعها إلاّ بالرافعات الآلية، بمجرد الإرادة. ويستلقون على المسامير الحادة ثم تكسر الصخور الموضوعة على صدورهم، بالمطارق، ويدفنون في الأرض أياماً، ليقوموا بعدها أحياءً. وغير ذلك ممّا يراه السائح في بلاد الهند وغيرها، وتواتر نقله في وسائل الإعلام كالجرائد والمجلات والإذاعات. وكل ذلك دليل قاطع على أنّ في باطن الإنسان قوى عجيبة لا تظهر إلاّ تحت شرائط خاصة.
وبعبارة واضحة، إنّ نفس الإنسان كما تسيطر على أعضاء البدن، فتنقاد لإرادتها، وتتحرك قياماً وجلوساً بمشيئتها، فكذلك تسيطر ـ في ظل تلك الظروف الخاصة ـ على موجودات العالم الخارجي، فتقودها بإرادتها، وتخضعها لمشيئتها، وتَقْدِرُ، بمجرد الإرادة، على إبطال مفعول العلل المادية في مقام التأثير، وغير ذلك من الأفعال.
وليس القيام بعجائب الأمور من خصائص المرتاضين، بل إنّ هناك أُناساً مثاليين، أفنوا أعمارهم في سبل العبادة ومعرفة الربّ، بلغوا إلى حدّ قدروا معه على خرق العادة والمجاري الطبيعية.
[١] والرياضة هي التوجّه إلى الباطن والإنقطاع عن الظاهر.