الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٧٣
الجهة الثانية
هل الإعجاز يخالف أصل العليّة؟
إنّ بديهة العقل تحكم بأنّ كلّ ظاهرة إمكانية، تحتاج في تحققِها إلى علّة، وهذا أمر لم يختلف فيه إثنان، وعليه أساسُ التجربة والبحث العلمي، فإنّ العلماء ـ في المختبرات وغيرها ـ يبحثون عن علل تكوّن الظواهر، وموجداتها، فشأنهم كشفُ الروابط بين العلل المادية ومعاليلها، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، إنّ الكتب السماوية، والسِيَر التاريخية، تَنْسِبُ إلى الإنبياء، أموراً لا تتفق بظاهرها مع هذا الأصل، فتنسب إلى موسى ـ عليه السَّلام ـ : أنّه ألقى عصاه الخشبية الصمّاء، فانقلبت حيّةً تسعى. وأنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ كان يمسح بيده على المرضى فيبرؤن. وأنّ الحصى سبّحت في كفّ النبي الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وغير ذلك من المعاجز. والإعتقاد بهذه لا يجتمع مع قبول الأصل العقلي المذكور، لأنّ الثعبان يتولد من البيضة بعد مرورها بمراحل عديدة من الإنفعالات الداخلية. وإزالة المرض وعود الصحة، رهن استعمال الأدوية وإجراء العمليات الجراحية، والتسبيح نوع تكلم يحتاج إلى حنجرة وفم ولهوات، يقوم به العاقل. وهكذا .
وعلى الجملة، فظهور المعاجز على مسرح الوجود، مع عدم علل مادية تُظْهِرُها، يُعَدُّ خرقاً لقانون العلية، وقول بتحقق المعلول بلا علّة.