الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٦٠
الدليل الثاني:
قد دلّ العقل على أن الله تعالى حكيم، والحكيم لا يتعبّد الخلق الاّ بما تدل عليه عقولهم، وقد دلّت الدلائل العقلية على أن للعالم صانعاً عالماً قادراً حكيماً، وأنه أنعم على عباده نعماً توجب الشكر. فننظر في آيات خلقه بعقولنا، ونشكره بآلائه علينا. وإذا عرفناه وشكرنا له، إستوجبنا ثوابه. وإذا أنكرناه وكفرنا به، إستوجبنا عقابه. فما بالنا نّتبع بشراً مثلنا؟!..
والجواب:
إن قسماً من هذا الدليل تكرار للدليل الأول. وأما ما اُفيد في ذيله من وقوف الإنسان على حسن الشكر وقبح الكفر، فهو وإن كان صحيحاً، غير أنه يلاحظ عليه أمران:
الاول: إن كثيراً من الناس لا يعرفون كيفية الشكر. فربما يتصورون أن عبادة المقرَّبين نوع شكر لله سبحانه. فلأجل ذلك ترى عبدة الاصنام والاوثان يعتقدون أن عبادتهم للمخلوق شيئاً موجباً للتقرّب[١].
الثاني : إنَّ تخصيص برامج الأنبياء بالامر بالشكر والنهي عن كفران النعمة، غفلة عن اهدافهم السامية. فإنهم جاؤوا لإسعاد البشر في حياتهم الفردية والاجتماعية، ولا تختص رسالتهم بالأوراد والأذكار الجافة، كتلك الّتي يرددها أصحاب بعض الديانات أيام السبت والأحد في البيع والكنائس. وإنك لتقف على عظيم أهداف رسالة النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذا وقفت على كلمته المأثورة:
«إني قد جئتكم بخير الدينا والآخرة»[٢].
[١] قال تعالى حكاية عن المشركين: (وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) سورة الزمر: الآية ٣.
[٢] تاريخ الطبري ج ٢، ص ٦٣ قاله النبي عند دعوة اقاربه إلى الإسلام، طبعة بيروت.