الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٧
المستدل لم يقف على حقيقة اللطف، ولذلك استدل بوجود العصاة على عدم وجوبه، فهو تصور أن اللطف عبارة عما لا يتخلف معه المكلف عن الإتيان بالطاعة وترك المعصية، فنتيجته كون وجود العصيان دليلاً على عدم وجوده، وعدم وجوده دليلاً على عدم وجوبه، مع أنك قد عرفت في أدلة القائلين به بأنه ما يكون مقرباً إلى الطاعة ومبعّداً عن المعصية من دون أن يبلغ حد الإلجاء.
يقول القاضي عبد الجبار بان العباد على قسمين، فإن فيهم من يعلم الله تعالى من حاله أنه إن فعل به بعض الأفعال كان عند ذلك يختار الواجب ويتجنب القبيح، أو يكون اقرب إلى ذلك. وفيهم من هو خلافه حتى إنْ فَعَلَ به كُلَّ ما فعل لم يختر عنده واجباً ولا اجتنب قبيحاً[١].
ويؤيده ما ورد في الذكر الحكيم من أن هناك اُناساً لا يؤمنون ابداً ولو جاءهم نبيهم بكل أنواع الآيات والمعاجز.
قال سبحانه: (وَ مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ)[٢].
وقال سبحانه: (وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَة مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)[٣].
وفي الختام، نقول: إن اللطف سواء أكان المراد منه اللطف المحصِّل أو اللطف المقرّب، من شؤون الحكمة، فمن وصفه سبحانه بالحكمة والتنزّه عن اللغو والعبث، لا مناص له عن الإعتقاد بهذه القاعدة، غير أنّ القول بوجوب اللطف في المحصّل أوضح من القول به في المقرّب.
ولكن يظهر من الشيخ المفيد أن وجوب اللطف من باب الجود والكرم، قال: «ان ما اوجبه أصحاب اللطف من اللطف، إنما وجب من جهة الجود
[١] شرح الاصول الخمسة، ص ٥٢٠.
[٢] سورة يونس: الآية ١٠١.
[٣] سورة البقرة: الآية ١٤٥.