الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٤
وإجابة دعوة الأنبياء، فاقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون ويبتهلون إلى الله تعالى [١].
ولاجل ذلك نشهد أن الأنبياء لم يكتفوا بإقامة الحجة والبرهان، والإتيان بالمعاجز، بل كانوا ـ مضافاً إلى ذلك ـ مبشرين ومنذرين. وكان الترغيب والترهيب من شؤون رسالتهم، قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ)[٢]. والإنذار والتبشير دخيلان في رغبة الناس بالطاعة وابتعادهم عن المعصية.
وفي كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ إشارة إلى هذا قال ـ عليه السَّلام ـ :
«أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأَن يعرّفهم مالهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي[٣]. والأمر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلا بالترغيب، والوعيد لا يكون إلا بالترهيب، والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم، والترهيب لا يكون إلا بضد ذلك... الخ»[٤].
وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «والأمر والنهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد»، إشار إلى أنّ امتثال الأمر والنهي ونفوذهما في نفوس الناس يتوقف على الثواب والعقاب، فلولاهما لما كان هناك حركة إيجابية نحو التكليف إلاّ من العارفين الذين يعبدون الله تعالى لا رغبة ولا رهبة، بل لكونه مستحقاً للعبادة.
فتحصّل من ذلك أنّ ما هو دخيل في تحقق الرغبة بالطاعة، والإبتعاد عن المعصية، في نفوس الأكثرية الساحقة من البشر، يجب على الله سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللغو، وبالتالي صوناً للخلقة عن العبث.
[١] لاحظ الإلهيات ج١، بحث البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيماً، ص ٢٧٣ ـ ٢٨٦.
[٢] سورة النساء: الآية ١٦٥.
[٣] هذا إشارة إلى اللطف المحصل.
[٤] بحار الانوار، ج٥، كتاب العدل والمعاد، الباب الخامس عشر، الحديث ١٣، ص ٣١٦.