الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٣
قادر على الطاعة وترك المخالفة سواءٌ أكان هناك وعد أم لا، فإن القدرة على الإمتثال رهن التعرّف على التكليف عن طريق الأنبياء ـ مضافاً إلى إعطاء الطاقات المادية. والمفروض حصول هذه المبادئ والمقدمات، غير أن كثيراً من الناس لا يقومون بواجبهم بمجرد الوقوف على التكليف مالم يكن هناك وعد ووعيد وترغيب وترهيب، فهذا النوع من اللطف قد وقع موقع النقاش بين المتكلمين.
والحق هو القول بوجوب اللطف إذا كان غرض التكليف (لا غرض الخلقة)، موقوفاً عليه عند الأكثرية الساحقة من المكلفين.
مثلاً: لو فرضنا أن غالب المكلَّفين، لا يقومون بتكاليفهم بمجرد سماعها من الرسل ـ وإن كانوا قادرين عليها ـ إلاّ إذا كانت مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وجب على المكلِّف القيام بذلك صوناً للتكليف عن اللَّغْوية. ولو أهملها المكلِّف ترتب عليه بطلان غرضه من التكليف، وبالتالي بطلان غرضه من الخلقة.
وفي الكتاب والسنة إشارات إلى هذا النوع من اللُّطف. يقول سبحانه: (وَ بَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَ السَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[١].
والمراد من الحسنات والسيئات، نعماء الدنيا وضراؤها وكأن الهدف من ابتلائهم بهما هو رجوعهم إلى الحق والطاعة.
ويقول سبحانه: (وَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ)[٢]. وفي الآية إشارة إلى كلا القسمين من اللطف، ومفاد الآية أن الله تعالى أرسل رسله لإبلاغ تكاليفه تعالى إلى العباد وإرشادهم إلى طريق الكمال (اللّطف المحصِّل)، غير أن الرْفاه والرَّخاء والتوغل في النعم المادية، ربما يسبب الطغيان وغفلة الإنسان عن هدف الخلقة
[١] سورة الاعراف: الآية ١٦٨.
[٢] سورة الاعراف: الآية ٩٤.